النصوص الشرعية الخاصة بالباب لدى الفرقين

وسوف تتناول أولاً النصوص الشرعية في هذا الباب من طرق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن طرق أهل السنة، لنبحث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية والوضعية المترتبة على العدوان والدفاع بموجب هذه النصوص:

‎1. الروايات الواردة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) في مشروعية الدفاع

موثقة اَلسَّكُونِيِّ‌ عَنْ‌ جَعْفَرٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ عَنْ‌ عَلِيٍّ‌ (ع): أَنَّهُ‌ أَتَاهُ‌ رَجُلٌ‌، فَقَالَ‌: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ‌؛ إِنَّ‌ لِصّاً دَخَلَ‌ عَلَى امْرَأَتِي، فَسَرَقَ‌ حُلِيَّهَا، فَقَالَ‌: (أَمَا إِنَّهُ‌ لَوْ دَخَلَ‌ عَلَى اِبْنِ‌ صَفِيَّةَ‌، لَمَا رَضِيَ‌ بِذَلِكَ‌ حَتَّى يَعُمَّهُ‌ بِالسَّيْفِ)‌[1].

وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ‌ جَعْفَرٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ (عليهم السلام)، قَالَ‌: (إِنَّ‌ اللَّهَ‌ لَيَمْقُتُ‌ الْعَبْدَ؛ يُدْخَلُ‌ عَلَيْهِ‌ فِي بَيْتِهِ‌، فَلاَ يُقَاتِلُ)[2]‌.

ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني مع اختلاف يسير[3].

وطُرُق الروايات الثلاث طرق معتبرة.

وأما النوفلي (الحسين بن يزيد)، فقد دأب الفقهاء على العمل برواياته، ولولا ذلك لذهب شطر كبير من روايات السكوني.

وَعَنْهُ – محمد بن أحمد بن يحيى -‌ عَنْ‌ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ عَنْ‌ وَهْبٍ‌ عَنْ‌ جَعْفَرٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ (عليهم السلام) أَنَّهُ‌ قَالَ‌: (إِذَا دَخَلَ‌ عَلَيْكَ‌ رَجُلٌ‌ يُرِيدُ أَهْلَكَ‌ وَمَالَكَ،‌ فَابْدُرْهُ‌ بِالضَّرْبَةِ‌ إِنِ‌ اسْتَطَعْتَ‌، فَإِنَّ‌ اللِّصَّ‌ مُحَارِبٌ‌ لِلَّهِ‌ وَلِرَسُولِهِ‌، فَمَا تَبِعَكَ‌ مِنْهُ‌ شَيْ‌ءٌ‌ فَهُوَ عَلَيَّ)‌[4].

وَرَوَاهُ‌ اَلْحِمْيَرِيُّ‌ فِي (قُرْبِ‌ الْإِسْنَادِ) عَنِ‌ اَلسِّنْدِيِّ‌ بْنِ‌ مُحَمَّدٍ عَنْ‌ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ‌ عَنْ‌ جَعْفَرٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌: مِثْلَهُ‌[5].

وَبِإِسْنَادِهِ‌ عَنْ‌ أَحْمَدَ بْنِ‌ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ عَنْ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ مُحَمَّدٍ عَنْ‌ إِبْرَاهِيمَ‌ بْنِ‌ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ‌ عَنْ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ الْمُعَلَّى عَنْ‌ جَعْفَرِ بْنِ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ الصَّبَّاحِ‌ عَنْ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ زِيَادٍ صَاحِبِ‌ السَّابِرِيِّ‌ الْبَجَلِيِّ‌ عَنْ‌ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ (ع)، قَالَ‌: (قَالَ‌ رَسُولُ‌ اللَّهِ‌ (ص): مَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ عِيَالِهِ‌ فَهُوَ شَهِيدٌ[6].

وَعَنْ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ إِبْرَاهِيمَ‌ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ عَنِ‌ اِبْنِ‌ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ‌ أَبَانِ‌ بْنِ‌ عُثْمَانَ‌ عَنْ‌ رَجُلٍ‌ عَنِ‌ اَلْحَلَبِيِّ‌ عَنْ‌ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ (ع)، قَالَ‌: (قَالَ‌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‌ (ع): (إِذَا دَخَلَ‌ عَلَيْكَ‌ اللِّصُّ‌ الْمُحَارِبُ‌ فَاقْتُلْهُ‌، فَمَا أَصَابَكَ‌، فَدَمُهُ‌ فِي عُنُقِي)[7].

وفى صحيحة عَبْدِ اللَّهِ‌ بْنِ‌ سِنَانٍ‌ عَنْ‌ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ (ع)، قَالَ‌: (قَالَ‌ رَسُولُ‌ اللَّهِ‌ صَلَّى اللَّهُ‌ عَلَيْهِ‌ وَآلِهِ‌: مَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ مَظْلِمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[8].

وَرَوَاهُ‌ اَلشَّيْخُ‌ بِإِسْنَادِهِ‌ عَنْ‌ أَحْمَدَ بْنِ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ عِيسَى: مِثْلَهُ‌[9]. بطريق صحيح كسابقه.

وبطريق صحيح، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ‌ أَبِي مَرْيَمَ‌ عَنْ‌ أَبِي جَعْفَرٍ (ع)،‌ قَالَ‌: قَالَ‌ رَسُولُ‌ اللَّهِ‌ (ص): (مَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ مَظْلِمَتِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ.

ثُمَّ‌ قَالَ‌: يَا أَبَا مَرْيَمَ؛‌ هَلْ‌ تَدْرِي مَا دُونَ‌ مَظْلِمَتِهِ؟‌

قُلْتُ:‌ جُعِلْتُ‌ فِدَاكَ‌؛ الرَّجُلُ‌ يُقْتَلُ‌ دُونَ‌ أَهْلِهِ‌ وَدُونَ‌ مَالِهِ‌ وَأَشْبَاهِ‌ ذَلِكَ.‌

فَقَالَ:‌ يَا أَبَا مَرْيَمَ‌ إِنَّ‌ مِنَ‌ الْفِقْهِ‌ عِرْفَانَ‌ الْحَقِّ[10]‌.

قال صاحب الوسائل: ورواه الشيخ كالذي قبله)[11].

والرواية كما قلنا صحيحة.

وهي تشمل بوضوح: الدفاع عن الأهل (العرض والشرف) و(المال).

عَنِ‌ اَلْحُسَيْنِ‌ بْنِ‌ أَبِي الْعَلاَءِ‌ – بطريق صحيح – قَالَ‌: سَأَلْتُ‌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ‌ (ع) عَنِ‌ الرَّجُلِ‌ يُقَاتِلُ‌ دُونَ‌ مَالِهِ؟‌ فَقَالَ‌: (قَالَ‌ رَسُولُ‌ اللَّهِ‌ (ص): مَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ مَالِهِ‌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ‌ الشَّهِيد)[12].

وَفِي عُيُونِ‌ الْأَخْبَارِ – بطريق صحيح – بِإِسْنَادِهِ‌ عَنِ‌ اَلْفَضْلِ‌ بْنِ‌ شَاذَانَ‌ عَنِ‌ اَلرِّضَا (ع) فِي كِتَابِهِ‌ إِلَى اَلْمَأْمُونِ‌ قَالَ‌: (وَمَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ مَالِهِ‌ فَهُوَ شَهِيدٌ)[13].

وروى الكليني في الكافي عن عِدَّةٌ‌ مِنْ‌ أَصْحَابِنَا عَنْ‌ أَحْمَدَ بْنِ‌ مُحَمَّدِ بْنِ‌ خَالِدٍ عَنْ‌ أَبِيهِ‌ عَمَّنْ‌ ذَكَرَهُ‌ عَنِ‌ اَلرِّضَا (ع): (عَنِ‌ الرَّجُلِ‌ يَكُونُ‌ فِي السَّفَرِ وَمَعَهُ‌ جَارِيَةٌ‌ لَهُ،‌ فَيَجِيءُ‌ قَوْمٌ‌ يُرِيدُونَ‌ أَخْذَ جَارِيَتِهِ،‌ أَ يَمْنَعُ‌ جَارِيَتَهُ‌ مِنْ‌ أَنْ‌ تُؤْخَذَ وَإِنْ‌ خَافَ‌ عَلَى نَفْسِهِ‌ الْقَتْلَ‌؟

قَالَ‌: نَعَمْ.

قُلْتُ:‌ وَكَذَلِكَ؛‌ إِنْ‌ كَانَتْ‌ مَعَهُ‌ امْرَأَةٌ‌؟

قَالَ:‌ نَعَمْ.‌

قُلْتُ‌: وَكَذَلِكَ‌ الْأُمُّ‌ وَالْبِنْتُ‌ وَابْنَةُ‌ الْعَمِّ‌ وَالْقَرَابَةُ‌ يَمْنَعُهُنَّ‌ وَإِنْ‌ خَافَ‌ عَلَى نَفْسِهِ‌ الْقَتْلَ؟‌

قَالَ:‌ نَعَمْ.‌

قُلْتُ‌: وَكَذَلِكَ‌ الْمَالُ‌؛ يُرِيدُونَ‌ أَخْذَهُ‌ فِي سَفَرٍ، فَيَمْنَعُهُ‌ وَإِنْ‌ خَافَ‌ الْقَتْلَ‌.

قَالَ:‌ نَعَمْ‌)[14].

وروى مُحَمَّدُ بْنُ‌ عَلِيِّ‌ بْنِ‌ الْحُسَيْنِ (ع)،‌ قَالَ‌: (مِنْ‌ أَلْفَاظِ رَسُولِ‌ اللَّهِ‌ (ص): مَنْ‌ قُتِلَ‌ دُونَ‌ مَالِهِ،‌ فَهُوَ شَهِيدٌ)[15].

يقول صاحب الوسائل: وَبِأَسَانِيدَ تَقَدَّمَتْ‌ فِي إِسْبَاغِ‌ الْوُضُوءِ:‌ عَنْ‌ رَسُولِ‌ اللَّهِ‌ (ص)، قَالَ‌: (يُبْغِضُ‌ اللَّهُ‌ تَبَارَكَ‌ وَتَعَالَى رَجُلاً يُدْخَلُ‌ عَلَيْهِ‌ فِي بَيْتِهِ‌ فَلاَ يُقَاتِلُ)‌[16].

والأسانيد التي يشير إليها صاحب الوسائل بعضها معتبر.

2. الروايات الواردة عن طريق أهل السنة

روى أحمد بن حنبل في المسند في أحاديث عبد الله بن عباس، عَنِ النَّبِيِّ (ص): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[17].

وروى النسائي في السنن عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): (مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ، فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ)[18].

وروى النسائي أيضاً في نفس الجزء والصفحة من (السنن) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[19].

وروى أيضا في نفس المصدر عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[20].

وروى في نفس المصدر عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد، عن النبي (ص)، قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قاتل دون مظلمته فهو شهيد)[21].

وروى النسائي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[22].

وقال النسائي: أخيرنا أبو داود، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: (مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ)[23].

وروى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ نَافِعًا، أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ (ص)، قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)[24].

وروى أبو نعيم في (معرقة الصحابة) عن سويد بن مقرن، قال: قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ (ص): (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلِمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[25].

ورواه في صحيح كنوز السنة النبوية[26].

وقال ابن قانع في معجم الصحابة: حدثا أحمد بن علي الخزاز، (نا) سعيد بن عمرو الأشعثي، (نا) عبثر عن طرف، عن سوادة بن أبي الجعد، عن أبى جعفر، قال: كنت جالساً عند سويد بن مقرن، قال: قال رسول الله (ص): (من قتل دون مظلمته فهو شهيد)[27].

وفي جامع الأحاديث (حرف الميم)، عن رسول الله (ص): (من قتل دون مظلمته فهو شهيد. قال: أخرجه النسائي وابن قانع والطبراني، والضياء عن سويد بن مقرن)[28].

قال محقق الكتاب: أخرجه النسائي (٧/١١٧، رقم ٤٠٩٦)، والطبراني (٧/٨٦، رقم ٦٤٥٤). وأخرجه أحمد (١/٣٠٥، رقم ٢٧٨٠). قال الهيثمي (٦/٢٤٤): رجاله رجال الصحيح[29].

هذه طائفة من الروايات التي وردت عن طريق الفريقين، وطرق بعضها صحيحة لدى الفريقين، وبألفاظ متقاربة ومضمون واحد، وهو ما رواه الفريقان عن رسول الله (ص) أن «من‏ قتل دون مظلمة فهو شهيد».

ونحن واثقون بأنٌّ هذا المضمون من حديث رسول الله (ص)، حقاً قد تحدث به رسول الله (ص).


المصدر
كتاب فصول المقاومة
Exit mobile version