معرفة العدو في القرآن

الفصل الأول: معرفة العدو في القرآن

1. تشخيص العدو

أعطى القرآن لمسألة تشخيص العدو اهتماماً كبيراً؛ حيث شغلت مساحة واسعة من القرآن؛ لأن العدو عادةً لا يظهر بهويته الحقيقية، وإنما يخفي نفسه وأهدافه تحت شعارات يخدع بها الآخرين، وهي بديل لهويته الحقيقية، وهذا جزء من سياسة التضليل الإعلامي التي يستخدمها العدو، مستغلاً بذلك سذاجة وبساطة الناس، الذين لا يميزون حقيقة العدو، ولا يدركون خطره إلا بعد فوات الأوان.

ومن هنا حرص الأنبياء (عليهم السلام)  في جهادهم التاريخي ضد الطواغيت على تشخيص العدو أولاً قبل الدخول في مرحلة الصراع.

يقول القرآن عن لسان إبراهيم (ع) : >قَالَ أَ فَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ 75 أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ 76 فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ<[1].

يصرّح (ع)  بهوية أعدائه حتى يقطع عليهم الطريق، فلا يستطيعون التلبيس والتمويه على الناس، ويكشفهم ويشهرهم للناس.

وما أحوجنا – نحن – اليوم الى مثل هذا التشخيص الواعي الدقيق للعدو وأساليبه ومكره؛ لئلا نقع في شرك المؤامرات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تحيط بنا… فإننا إذا أغفلنا عن أعدائنا، فلا يغفل عنا أعداؤنا.

يقول أمير المؤمنين (ع) : (أنتم تكادون ولا تكيدون، وتنامون ولا يُنام عنكم، وأنتم في غفلة ساهون)[2].

والإنسان إذا لم يشخص عدوه، ويكشف حقيقته، فإن العدو يستطيع أن يتسلل بشعاراته إلى عقر داره وحوزة نفوذه وعمله، فلا ينتبه إلا بعد أن يدخل العدو عليه داره.

ومن هنا؛ فإن التشخيص المبكر لهويته يعطي المؤمنين الفرصة للاستعداد لمواجهته، ويفوّت على العدو فرصة التلبيس والتمويه والمبادرة بالهجوم، لذلك نجد القرآن ينبهنا كثيراً إلى العدو الخبيث الذي يترصدنا وهو الشيطان، ويحذّرنا منه يقول تعالى: >وَلاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ<[3].

إنه العدو الأكثر شراسة وقسوة، وفي نفس الوقت الأكثر مقدرة على التخفي، فإنه يدخل إلى نفوسنا من خلال أحب الأشياء إليها، حتى إذا انفتحت له أبواب النفوس، اقتحمها وتمكن من احتلالها والقضاء على نقاط القوة فيها.

أمثلة من القرآن

وفي القرآن تشخيصات دقيقة للعدو نقرأ عليكم طائفة من آياته:

الآية الأولى: عن المنافقين

يقول تعالى: >هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ<[4].

ولا بد لـ (المنافق) من هذا التشخيص والتشهير؛ لأنه لا يظهر بهويته الحقيقية، فهو يعلن الحب والولاء للمسلمين، ويضمر العداء والحقد والبغضاء لهم. ومن هنا؛ كان خطره أشد من خطر الكفار، الذين يظهرون ما يضمرون من العداء.

قال رسول الله (ص) : (إِنِّي لَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلَا مُشْرِكاً، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَحْجُزُهُ إِيمَانُهُ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ كُفْرُهُ، وَ لَكِنْ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ مُنَافِقاً، عَلِيمَ اللِّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَعْمَلُ مَا تُنْكِرُون‏)[5].

وقوله (ص) : (يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ) إشارة إلى الوجه المفتعل الذي يظهر به المنافق وسط المجتمع الإسلامي، ومن هنا كان بحاجة إلى كشف وتشخيص؛ لكي يسقط عنه القناع، ويظهر بشخصيته الواقعية.

الآية الثانية: عن الشيطان

يقول تعالى: >إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا<[6].

وإذا كان المنافق يمتلك القدرة على إخفاء هويته بشكل جزئي، فإن الشيطان يستطيع ذلك بشكل أقوى، وهذا ما يضاعف من خطر الشيطان وشدة وطأته على الإنسان. ومن هنا؛ حرص القرآن كثيراً على تسليط الضوء على هذا العدو الخبيث العجيب في تكوينه، والذي يرانا ولا نراه. يقول تعالى: >إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ تَرَوْنَهُمْ<[7].

وبالإضافة إلى ذلك؛ فهو لا يقتحم النفوس والقلوب بشكل واضح وصريح ومكشوف؛ بل من خلال الاستدراج البطيء، في خطوات وئيدة، يتلو بعضها بعضاً، فلا يتنبه الإنسان إلا بعد أن يسقط في شِرك الشيطان. وهذه السياسية الاستدراجية (سياسة الخطوة خطوة) هي التي يشير إليها تعالى: >وَلاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ<[8].

الآية الثالثة: عن الكافرين

يقول تعالى: >إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً<[9].

إن الكافرين أعداء المسلمين، وإذا كان المنافق يتكتم في العداء، فإن الكافرين يعلنون العداء إعلاناً، وهناك حالة عدائية مشتركة للكفر والنفاق، مزيج من هذا وذاك، وهو ما نعيشه اليوم في أجواء التعامل مع دول الاستكبار العالمي، مزيج من النفاق والكفر، والحقد المضمر، والعداء المعلن…

الآية الرابعة: عن النفس الأمارة بالسوء

يقول تعالى: >إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّٰ مٰا رَحِمَ رَبِّي<[10].

النفس الأمارة بالسوء تأمر بالسوء والظلم، وهي عدوة الإنسان، تدعوه إلى السوء والفحشاء.

والمقصود هنا بالنفس الأمارة: الأهواء، والشهوات، والغرائز التي يحملها الإنسان بين جنبيه، ولا تزال تدفعه الى السوء، إلاّ أن يتحكم صاحبها فيها، ويملك أزِمَّتها، فإذا تحكم عليها انقادت له.

يقول أمير المؤمنين (ع) : (المرء حيث وضع نفسه برياضته وطاعته، فإن نزّهها تنزهت، وإن دنّسها تدنست)[11].

ولأجل هذه الخطورة الكبيرة للنفس الإنسانية يحتاج الإنسان إلى أن يكون دائماً حذراً مراقباً لنفسه، ويحتاج إلى محاسبة، ومجاهدة النفس، وكفها عن السوء.

الوعي الكامل للعلاقة الاجتماعية

في الحياة الاجتماعية لابد أن نعرف الصديق، ونميز العدو معاً؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف صديقه يخسر أصدقاءه، ويجد نفسه وحيداً، لا صاحب له في هذه الحياة الواسعة الكثيرة الهموم، وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (ع) بقوله: (من لا صديق له لا ذخر له)[12].

ولكن معرفة الصديق تمثل نصف المعرفة الاجتماعية، وهو وعي اجتماعي ناقص أو (نصفي)، إذا صح التعبير، والنصف الآخر معرفة العدو، ولا تقل أهميته عن معرفة الأصدقاء، وبهما يتحقق الوعي الكامل…

إن وعي الأصدقاء دون الأعداء نصف الوعي، والوعي النصفي لا يحصّن المجتمع، ولا يحصّن الفرد، وتبقى ثغرات الاختراق مفتوحة للعدو.

وقد كان بنو أمية يدركون هذا المعنى، فقد أطلقوا أيدي الناس في معرفة الإيمان والمؤمنين، وهذا نصف الوعي ولابد منه، ولكنهم لم يفسحوا المجال للناس أن يعرفوا الشرك والمشركين، وبذلك أبقوا فرص الاختراق في جسم المجتمع الإسلامي للمشركين مفتوحة.

إن معرفة الايمان والمؤمنين نصف المعرفة، ولكنه لا يغني عن معرفة الشرك والمشركين… والناس إذا كانوا لا يعرفون الشرك والمشركين، لا يتمكنون من أن يحصّنوا مجتمعهم وأخلاقهم وثقافتهم وقلاعهم من المشركين.

ولكي يحكمهم أمير فاسق مثل يزيد ومروان وعبد الملك وهشام والوليد، باسم الإسلام، وتحت عنوان خلافة رسول الله (ص) ، لابد ان يمنعوا الناس من معرفة الشرك والمشركين، والظلم والظالمين، والفساد والمفسدين، وإلاّ فليس بإمكان أولئك المفسدين الطغاة من بني أمية أن يحكموا الناس ألف شهر من تاريخ الإسلام.

 عن الإمام الصادق (ع) : (إِنَّ‌ بَنِي أُمَيَّةَ‌ أَطْلَقُوا لِلنَّاسِ‌ تَعْلِيمَ‌ الْإِيمَانِ،‌ وَلَمْ‌ يُطْلِقُوا تَعْلِيمَ‌ الشِّرْكِ‌؛ لِكَيْ‌ إِذَا حَمَلُوهُمْ‌ عَلَيْهِ‌ لَمْ‌ يَعْرِفُوه)[13].

هذه المعرفة الناقصة للتوحيد غير كافية، ولا تحصّن المجتمع من خطر الانحراف، ولابد من معرفة الشرك إلى جانب التوحيد؛ ليتكاملا.

 وإلى هذا الوعي الاجتماعي الكامل يشير أمير المؤمنين (ع)  بقوله: (أَصْدِقَاؤُكَ‌ ثَلاَثَةٌ‌، وَأَعْدَاؤُكَ‌ ثَلاَثَةٌ‌. فَأَصْدِقَاؤُكَ‌: صَدِيقُكَ،‌ وَصَدِيقُ‌ صَدِيقِكَ‌، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ‌. وَأَعْدَاؤُكَ:‌ عَدُوُّكَ،‌ وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ‌، وَصَدِيقُ‌ عَدُوِّك)[14].

لكي نتمكن أن نعيش بخير، وننتفع بأصدقائنا، وننفعهم ونستنصحهم وننصحهم، ونستعين بهم ونعينهم، ولكي نتمكن أن نعيش بأمان ونحفظ أنفسنا وأصدقاءنا من أعدائنا، فلابد أن نعرف هذه الطوائف الستة – التي يشير إليها أمير المؤمنين (ع)  في كلمته – معرفة كاملة.

إن أصدقاءنا ثلاثة:

1- أصدقاؤنا، الذين يقفون معنا، وينصحوننا، ونستعين بهم.

2- وأصدقاء أصدقائنا، الذين يؤازرون أصدقاءنا، ويقفون معهم، فهؤلاء أصدقاء لنا، وعلينا أن نحتفظ بصداقتهم وإن كنا لا نعرفهم، فإن أمر أصدقائنا يهمنا كما يهمنا أمر أنفسنا، وأصدقاء أصدقائنا أصدقاؤنا.

3- وأعداء أعدائنا أصدقاء لنا، فإنهم يعينوننا على أعدائنا، ومن يعيننا على أعدائنا فهو صديق لنا، ما لم يعادنا.

وهذا القيد الأخير مفروض[15] في كلمة أمير المؤمنين (ع) ، ومن دونه لا نستطيع أن نفهم كلام الإمام (ع) .

وأمّا أعداؤنا، فهم ثلاثة أيضا:

1- أعداؤنا.

2- أعداء أصدقائنا، فإنهم بمثابة أعدائنا، ونحن إذا عرفنا العلاقة العضوية القوية في الإسلام بيننا وبين أصدقائنا[16]، لا نشك عندئذ أن أعداء أصدقائنا أعداؤنا.

3- أصدقاء أعدائنا، فإن اللحمة القائمة بيننا وبين أصدقائنا تقوم أيضا بين أعدائنا وأصدقائهم، فلا محالة يكون صديق عدوِّنا عدوُّنا.

الحذر من العدو ومكره وكيده

من الخطأ أن يأمن الإنسان جانب العدو ويستهين به، كما أن من الخطأ أن يهاب الإنسان عدوّه. كل منهما خطأ.

فإن العدو يبقى يتربص بخصمه الدوائر، ولا يجد فرصة يستطيع بها أن يضر بخصمه إلا استغلها، ولا يزال يضمر لخصمه السوء والشر حتى يوقعه فيه، ونقرأ في كتاب الله سبحانه تحذيراً من الركون إلى الأعداء والاستهانة بهم والأمن من جانبهم:

1- يقول تعالى: >يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاٰ يَأْلُونَكُمْ خَبٰالاً وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَمٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ<[17].

لا تتخذوهم مواضع سرّكم وثقتكم، ولا تركنوا إليهم، فإنهم لا يقصّرون في أذاكم والإضرار بكم، ويودّون ويتمنون عنتكم وأذاكم.

وإن صدورهم لتغلي بالبغضاء حتى أنها تبدو على فلتات ألسنتهم، وما تخفي صدورهم من الحقد والبغضاء لكم أكثر.

وقوله تعالى: >وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ< يؤكد نية العدو ومشاعره العدوانية تجاهنا، فإنهم يودون لنا المشقة والعنت والشدة، وأن نكون في همّ دائم من المشاكل الاجتماعية والأزمات الاقتصادية المستمرة.

2- ويقول تعالى: >إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا<[18].

وهو تشخيص دقيق لأحقاد الأعداء على المسلمين، فإن الآية تؤكد أن الحسنة التي تمسنا تسؤهم، فحتى لو كانت الحسنة تمسنا مسّاً خفيفاً فهي تغيظ الكفار، وإذا أصابنا الشر فإنهم يفرحون به. والتعبير القرآني دقيق، فإن الشر إذا (مسّنا مسّاً خفيفاً) لا يشفي غليل صدورهم، وإنما يفرحهم إذا (أصابتنا) السيئة إصابة كاملة، عندئذٍ يفرحون >وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا< عندئذٍ تنتعش نفوسهم وتنشرح لها.

وشتان بين المس الخفيف للحسنة التي تغيظ الأعداء، وبين الإصابة الشديدة للسيئة التي تثلج صدورهم، فهم لا يرضون الخير لنا والصلاح ولو في أدنى درجاته، ولا يكتفون بالشر والفساد إلا في أقصى درجاته وأفظعها.

3- ويقول تعالى: >وَ إِذٰا لَقُوكُمْ قٰالُوا آمَنّٰا وَإِذٰا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنٰامِلَ مِنَ الْغَيْظِ<[19].

وهو إشارة إلى الحقد والكراهية الشديدة الكامنة في صدورهم، وكلمة (عَضُّوا) تكاد تكون حكاية حسية لصورة المنافق وهو يتقطع حسرات من شدة الغيظ.

هذا المنافق الذي يلقانا بالحب والمودة حتى نكاد نصدق هذه المشاعر، فنظن أنه الوجه الحقيقي له، ولكن القرآن ينقل لنا ما يدور في خلواتهم وحفلاتهم ومؤتمراتهم التي بلغ التآمر فيها حد العضّ على الأنامل من الغيظ.

4- ويقول تعالى: >هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاٰ تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا<[20].

هذا جانب آخر من الحرب الشاملة التي يشنها الأعداء على المسلمين، وهو جانب التضييق الاقتصادي الذي يرهق الأمة، فالمحاصرة سياسة قديمة اتبعها المشركون ضد المسلمين كورقة ضغط للتنازل عن هويتهم ودينهم: >حَتّٰى يَنْفَضُّوا<؛ أي حتى يضيقوا ذرعاً بالفقر والحاجة، فيؤدي ذلك إلى هجر الدين والتخلي عن رسول الله (ص) .

2. معرفة أساليب العدو ووسائله وجنده

مقدمة

وهذه مرحلة أساسية في هذا البحث، وقبل أن ندخل هذا البحث يجب أن ننتبه إلى أننا لا نقصد بالكافر والكفار هنا الأفراد والجماعات غير المؤمنة بالله تعالى وإن كان يصدق عليهم هذا العنوان.

ولكننا نقصد الكيانات السياسية الكافرة المحاربة للمسلمين[21]، كأمريكا وإسرائيل، وأمثالهما من الكيانات السياسية الاستكبارية التي تتصدى لمحاربة المسلمين، ونهب ثرواتهم، وتخريب ثقافتهم واقتصادهم وأمنهم.

أما الأفراد والجماعات غير المحاربة لنا من الكفّار، فهم كفار بالتأكيد، ولكننا لا نقصدهم في هذه المطالعة. وموقفهم من المسلمين يختلف حسب اختلاف الأفراد والجماعات من المحاربة[22] إلى الحياد إلى التحالف والتعاون، ولا ينهانا الله تعالى عن برهم والإحسان إليهم، إن كانوا لا يشهرون السلاح في وجوهنا، ولا يتصدون لمحاربتنا وإخراجنا من ديارنا.

يقول تعالى: >لاٰ يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ<[23].

أساليب العدو

وبعد هذه المقدمة أقول:

يجب أن نعرف العدو ونشخصه، كذلك يجب أن نعرف وسائله وأساليبه التي يستخدمها في محاربتنا، وما لم نعرف أساليب العدو ووسائله لا نستطيع أن نواجهه وندفع أذاه وضره عن أنفسنا.

إن الحد الأدنى من ضرورات المواجهة مكافأة العدو في الوسائل والأساليب، وهو يتوقف على معرفة هذه الوسائل … والحد الأعلى هو الاستعلاء عليه في الأساليب والوسائل، ومفاجأته بمبادرات ومفاجآت جديدة.

والقرآن الكريم يعطي اهتماماً كبيراً للتعريف بالأساليب والوسائل التي يستخدمها العدو في محاربتنا، وفيما يلي نشير إلى طائفة من هذه الأساليب من خلال كتاب الله تعالى:

الأسلوب الأول: الكيد والمكر والخداع

يقول تعالى: >إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً<[24].

ويقول تعالى: >وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّٰهُ وَاللّٰهُ خَيْرُ الْمٰاكِرِينَ<[25].

ويقول تعالى: >يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمٰا يَخْدَعُونَ إِلاّٰ أَنْفُسَهُمْ وَمٰا يَشْعُرُونَ<[26].

وهو أسلوب قديم توارثه الأبناء من الآباء في الكيد والمكر بالمسلمين والتضليل والتغرير والخداع. ومواجهة هذا الكيد والمكر يتطلب الكثير من الوعي والحذر واليقظة والانتباه. ويقرر القرآن بشكل جازم أن كل كيد ومكر من الكفار يعود إليهم بالضرورة، وأنهم لا يخدعون إلا أنفسهم.

الأسلوب الثاني: الصد عن سبيل الله

يقول تعالى: >قُلْ يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهٰا عِوَجاً<[27].

وفي آية أخرى: >اشْتَرَوْا بِآيٰاتِ اللّٰهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سٰاءَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ<[28].

وهذا أسلوب آخر للعدوان، وهو الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الدخول في دينه، من خلال الاستخفاف بالدين والاستهزاء بالمؤمنين وإلهاء الشباب بالفساد الأخلاقي. ومن أساليب الصدّ عن سبيل الله: إلهاء الناس عن الرجوع الى الله وذكر الله، ودين الله، واللجوء إلى الله، وهو باب واسع من أبواب الإفساد ومحاربة الإسلام.

الأسلوب الثالث: الإشاعة

يقول تعالى: >وَإِذْ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لاٰ مُقٰامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا<[29].

ويقول تعالى: >وَإِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ<[30].

من الأساليب التي اتبعها المنافقون في المدينة أسلوب الإشاعة والإرجاف وإذاعة الأكاذيب بين صفوف المسلمين، فقد أشاعوا قتل رسول الله (ص)  في معركة أحد؛ حيث أحدث الخبر أثرا بالغاً وسيئاً في نفوس المسلمين، برغم وسائل الإشاعة البدائية آنذاك، بينما تقوم الإشاعة اليوم بطرق علمية ودراسات نفسية واسعة، وهي جزء من الحرب النفسية، التي يتبعها الأعداء ضد الشعوب المستضعفة؛ لقتل الروح المعنوية للفرد والمجتمع.

يقول تعالى: >لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنٰافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاٰ يُجٰاوِرُونَكَ فِيهٰا إِلاّٰ قَلِيلاً<[31].

وهذا التهديد القرآني موجّه إلى الطائفة التي كانت تثير الإشاعات بين صفوف المسلمين، علماً أن مستوى الإشاعة كان بدائياً يعتمد على الجهد الشخصي، ولا تعادل جزءاً يسيراً من الإشاعة المعاصرة من جهة الكم والكيف، فكيف والإشاعة انتقلت من طابعها الشخصي البدائي إلى الحالة العلمية المتطورة المعقدة، وأصبحت تمتلك القدرة على الانتشار الواسع بسبب الآليات الحديثة؟!

الأسلوب الرابع: الإفساد والتخريب

يقول تعالى: >وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً وَاللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ<[32].

وهذا من أوضح الأساليب التي يتبعها الأعداء للنيل من المؤمنين، من خلال نشر الفساد والانحلال الأخلاقي وترويج القيم الفاسدة.

الأسلوب الخامس: الإغفال والإرصاد

يقول تعالى: >وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً<[33].

استغفال المسلمين أسلوب آخر حرص الأعداء على استعماله؛ لأن الوعي واليقظة يبطل مخططاتهم، ويفضح حقيقتهم، والحذر يؤدي إلى فشل وتطويق مخططاتهم. وهم يريدون أن نغفل عنهم من خلال إلهائنا بالمشاكل والفتن الداخلية، وأن نغفل عن أسلحتنا وإمكانياتنا المادية والفكرية لكي ينقضّوا علينا، ويميلوا ميلة واحدة، على حد التعبير القرآني.

يؤكد أمير المؤمنين (ع)  على ضرورة اليقظة بقوله: (ضادّوا الغفلة باليقظة)[34]، وهي دعوة صريحة للانتباه من الغفلة التي ضاعفت الانتكاسات، وجعلت الأعداء يطمعون في إغوائنا ونهب خيراتنا عندما يجدوننا غافلين، لا نشعر بالتحديات الجسيمة من حولنا.

إن الأعداء يرصدوننا، ويتحينون فرصة حالات الغفلة في صفوفنا؛ لينقضّوا علينا، ويفاجئونا بالانقضاض المفاجئ، وهو قوله تعالى: >وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ<.

معرفة أساليب ووسائل الشيطان

وإلى جانب ذلك؛ للقرآن اهتمام كبير بفضح الأساليب والوسائل التي يستخدمها الشيطان لتضليل الناس… وغاية القرآن من هذا الكشف والفضح هو تنبيه الناس وتعريفهم بالوسائل والأساليب التي يستخدمها عدونا اللئيم اللعين (الشيطان)؛ ليتمكنوا من مواجهته ومقابلته بكفاءة وقدرة.

أساليب الشيطان

الأسلوب الأول: الخطوات

من هذه الأساليب، أسلوب (الخطوات) التي يتبعها الشيطان في تضليل الناس، فلا يدعو الشيطان الناس إلى عبادته مرة واحدة، وإنما يستدرجهم الى عبادته وطاعته (خطوة خطوة) … فإذا وقعوا في شركه استحوذ عليهم.

  ويحذرنا الله تعالى من اتباع خطوات الشيطان، فيقول: >يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ وَالْمُنْكَرِ<[35].

ويقول تعالى: >يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاٰ تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ<[36].

الأسلوب الثاني: حصار وتطويق الضحية

ومن أساليب الشيطان، أنه يحاصر ضحيته حتى يطوّقها، ويسد عليها سبل الفرار، فإذا حاصرها ضيق عليها الحصار بالتدريج، حتى تكون الضحية في يده وتحت أمره بشكل كامل، لا تملك طريقا للفرار والخروج من الحصار.

 ويوضح القرآن هذا الأسلوب من أساليب الشيطان، يقول تعالى: >قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 16 ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَعَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَلاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ<[37].

والشيطان يقعد على طريق الإنسان من كل جانب، ليسد عليه الطريق إلى الله.

الأسلوب الثالث: الرصد والمتابعة

 ومن أساليب الشيطان (الرصد)، أنّه يرصد ضحيته من حيث يراها، ولا تراه، ومهمة الراصد استهداف الضحية حينما تنكشف له في مرماه فيرميها.

وينكشف الإنسان للشيطان، متجرداً من الدفاع والمقاومة في ساعات الغفلة، فيصيبه الشيطان، يقول تعالى: >إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ تَرَوْنَهُمْ<[38].

الأسلوب الرابع: الإغراء والتهييج

ومن أساليب الشيطان الإغراء والتحريك، يقول تعالى: >أَ لَمْ تَرَ أَنّٰا أَرْسَلْنَا الشَّيٰاطِينَ عَلَى الْكٰافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا<[39].

والأز – كما يقول ابن عباس – (الإغراء)[40]، والأزّ التحريك والتهييج الشديد، و لذلك يقال لغليان القدر (الأزيز)[41]، والشيطان يهيّج ضحيته، ويحركها، ويثيرها إثارة شديدة، في الغضب والشهوة، حتى يستحوذ عليها.

الأسلوب الخامس: الوعود الكاذبة والخديعة

ومن أساليب الشيطان، أنّه يعد ضحيته ويمنّيها ويخدعها بالوعود والأُمنيات الكاذبة، فيدفعها إلى السقوط، فإذا سقطت الضحية لا تجد من وعود الشيطان وأمانيه شيئاً، يقول تعالى: >يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَمٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً<[42].

ورد عن الصدوق في المجالس عن الصادق (ع) : لما نزلت هذه الآية: >وَالَّذِينَ‌ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً‌ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‌ ذَكَرُوا اللّٰهَ‌ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم<[43].

(قال إبليس ) فمن لها؟ فقال الوسواس الخناس: أنا لها قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها[44].

الأسلوب السادس: الاستفزاز

ومن أساليب الشيطان الاستفزاز، وهو الاستخفاف. إذا استخف الشيطان ضحيته، هان عليه أن يحرّكه ويوجهه كيفما يريد، فإن الذي يضبط الإنسان عن الغي والتسلط، هو عقله ووعيه وضميره وخبرته وحكمته، فإذا جرده الشيطان من ذلك واستخفّه، سهل عليه أمره، وتمكن منه، عندئذ يثيره ويحركه، ويهيجه كما يحب، ويستحوذ عليه كما يريد.

يقول تعالى: >وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشٰارِكْهُمْ فِي الْأَمْوٰالِ وَالْأَوْلاٰدِ وَعِدْهُمْ وَمٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً<[45].

الأسلوب السابع: التسويل والإملاء

ومن أساليب الشيطان التسويل والإملاء، يقول تعالى: >الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلىٰ لَهُمْ<[46].

و(التسويل): التسهيل، و(الإملاء): الامداد في الآمال والأماني .

ومعنى الآية الكريمة: أن الشيطان يسهّل لهم اقتراف الذنوب ومعصية الله عز وجل، ويمدُّ في آمالهم وأمانيهم، ويطوّل في نفوسهم الآمال، حتى ينسوا الموت، فتستغرقهم عندئذ الدنيا، وتصرفهم عن الآخرة وما بعد الموت .

الأسلوب الثامن: النّزغ

ومن أساليب الشيطان (النزغ). يقول تعالى: >وَإِمّٰا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطٰانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ<[47].

والنزغ الإفساد، ومنه: (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)[48].

وإذا أفسد الشيطان الإنسان، أمكنه أن يستحوذ عليه وتمكّن منه.

الأسلوب التاسع: تزيين الفِتن

ومن أساليب الشيطان التزيين، يزيّن الفِتن للأهواء، كما يهيّج الأهواء تجاه الفِتن. والتزيين من وسائل الشيطان الخبيثة والغريبة، فقد يكون الحلال والحرام من سنخ واحد، فيزين الشيطان الحرام لضحيته، دون الحلال، كما يهيج الشيطان أهواء الإنسان وشهواته تجاه الفِتن بشكل قوي ومؤثر.

يقول تعالى عن التزيين: >وَقَيَّضْنٰا لَهُمْ قُرَنٰاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمٰا خَلْفَهُمْ<[49].

الأسلوب العاشر: الوسوسة

ومن أساليب الشيطان (الوسوسة) و(الخنوس)، يقول تعالى: >قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ 1 مَلِكِ ٱلنَّاسِ 2 إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ 3 مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ 4 ٱلَّذِی يُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ 5 مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَ ٱلنَّاسِ<[50].

و(الوسوسة) هي: أن ينفذ الشيطان إلى نفس الإنسان من المسالك والدروب الخفية، بخفاء وتكتم، بحيث لا يثير انتباه الإنسان وحذره، ويختفي داخل نفس الإنسان، فيثير في نفسه الأهواء من دون أن ينتبه إلى موقع الشيطان من نفسه.

يقول تعالى: >فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطٰانُ لِيُبْدِيَ لَهُمٰا مٰا وُورِيَ عَنْهُمٰا مِنْ سَوْآتِهِمٰا<[51].

و(الخنوس) هو: رجوع الشيطان وفراره إذا انتبه الإنسان إلى موقع الشيطان في نفسه، لئلا ينتبه الإنسان إلى الخطر، ويثير في نفسه الحذر.

فالشيطان يدخل في نفس الإنسان بخفاء وتكتم، لا يثير انتباهه وحذره، فإذا انتبه الإنسان إلى موقع الشيطان في نفسه قفل الشيطان راجعا وفر، فإذا غفل الإنسان عاد إلى موقعه الأول من النفس، وهذا هو الخنوس.

وقد روي عن رسول الله (ص) : (إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَنَسَ، وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ)[52].

الأسلوب الحادي عشر: الهَمْز

ومن أساليب الشيطان، (الهمز)، وهو الطعن السريع الذي يتم بخفة وسرعة، وفي كتاب الله: >وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزٰاتِ الشَّيٰاطِينِ 97 وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ<[53].

وللشيطان، بالإضافة إلى هذه الأساليب، وسائل كثيرة يتوسل بها إلى إغواء الناس وتضليلهم، يقوى بها عليهم، يقول تعالى: >وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشٰارِكْهُمْ فِي الْأَمْوٰالِ وَالْأَوْلاٰدِ<[54].

وفي دعاء نهار شهر رمضان عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهم السلام)  ذِكْر لعدد من وسائل الشيطان وأساليبه وجُنده:

(وَأَعِذْنِي فِيهِ‌ مِنَ‌ اَلشَّيْطَانِ‌ الرَّجِيمِ‌ وَهَمْزِهِ‌ وَلَمْزِهِ‌ وَنَفْثِهِ‌ وَنَفْخِهِ‌ وَوَسْوَسَتِهِ‌ وَتَثْبِيطِهِ‌ وَبَطْشِهِ‌ وَكَيْدِهِ‌ وَمَكْرِهِ‌ وَحَبَائِلِهِ‌ وَخُدَعِهِ‌ وَأَمَانِيِّهِ‌ وَغُرُورِهِ‌ وَفِتْنَتِهِ‌ وَشَرِكِهِ‌ وَأَحْزَابِهِ‌ وَأَتْبَاعِهِ‌ وَأَشْيَاعِهِ‌ وَأَوْلِيَائِهِ‌ وَشُرَكَائِهِ‌ وَجَمِيعِ‌ مَكَايِدِه)[55].

3. الموقف من العدو

النقطة الأخيرة في هذا الفصل هي تحديد الموقف من العدو.

بعد أن يشخص القرآن هوية العدو، ويكشف أساليبه، يحدد لنا الموقف منه.

ويحرص القرآن على بيان الموقف المعبر عن حالة الرفض النفسي، والمواجهة العملية، والتصدي له، والمقابلة لأساليب العدو بالوسائل المكافئة.

وهذه أمثلة قرآنية تبين الموقف الصحيح من العدو:

أ. الردع عن موالاة العدو

يقول تعالى: >يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ<[56].

هذه الآية الكريمة تبين أن أعداء الله تعالى هم أعداء المؤمنين >عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ<، وهي معادلة واضحة، ومن متطلبات التوحيد. فمن كان عدواً لله فهو لا محالة عدو للمؤمنين. ولا يعزل المؤمنون أنفسهم عن ساحة المواجهة القائمة بين أعداء الله وبين أنبياء الله ورسله، كما كان يفعل بنو إسرائيل؛ حيث قالوا لنبيهم: >فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ<[57]، فعزلوا أنفسهم عن ساحة المواجهة والمعركة.

وفي قوله تعالى: >تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ< إشارة إلى وجوب نفي المودّة من قلوبنا لهم؛ لأنها من الموالاة والمودّة المحرمة.

والنقطة الأخرى الهامة التي تبيّنها الآية هي بيان دليل العداء وسببه >وَقَدْ كَفَرُوا بِمٰا جٰاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ<؛ أي أن الكفر بما جاءهم رسول الله (ص)  من الحق من عند الله هو دليل عدائهم لله وللمؤمنين، إن الأيمان والكفر بما جاء رسول الله (ص)  من الحق من جانب الله يحدد تماماً وبشكل دقيق السلام والعداء، وما إذا كان الناس يقفون منا موقف المسالم والقبول أو موقف الرفض والعداء.

إن الكفر والإيمان دليل الحرب والسلام ودليل العداء والمودّة.

ب. العداء

يقول تعالى: >إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا<[58].

إن الشيطان عدو للإنسان، وهذه حقيقة واضحة جاء بها الأنبياء جميعا من عند الله، ولكن ماذا ينبغي أن نعمل تجاه هذه الحقيقة القديمة؟ يقول تعالى: >فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا<.

أي نتعامل معه معاملة العدو، ولا نركن إليه، ولا ننقاد له، ونحذر منه، ونواجه كيده ومكره بالوعي والقوة والحذر. والشطر الثاني: >فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا< يتبع الشطر الأول: >إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ<.

جـ. تجنب المودة القلبية

يقول تعالى: >هٰا أَنْتُمْ أُولاٰءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاٰ يُحِبُّونَكُمْ<[59].

وهي دعوة صريحة إلى تفريغ القلوب من التعلق والإعجاب بالكافرين، لأنهم لا يحبوننا ولا يريدون لنا الخير، ولن يحبونا، مهما حاولنا استرضاءهم، فلا يجوز أن نعطيهم المودة من قلوبنا؛ فإن المودة جزء من الولاء. ولا يمنح المؤمنون ولاءهم إلا لله ورسوله وأوليائه والمؤمنين.

د. الحذر

يقول تعالى: >هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ<[60].

الحذر من أهم المواقف التي يقررها القرآن تجاه العدو، وهو مجموعة من الإجراءات الاحترازية التي نأمن بها كيده وسطوته، من خلال وعي دقيق لخطوات الشيطان والاحتراز عن الغفلة تجاه وسائل الشيطان وأساليبه.

ومن ينام عن عدوه تنبّهه المصائب التي تنزل به من ناحية العدو. عن أمير المؤمنين (ع) : (من نام عن عدوه نبهته المكائد)[61]، وهو يتطلب اليقظة والحذر. إن من الخطأ أن يستهين الإنسان بعدوه فينشغل عنه، كما أن من الخطأ أن يستعظم الإنسان عدوّه ويهوّل أمره.

وعنه (ع)  أيضا: (لا تستصغرن عدواً وإن ضَعُف)[62].

هـ. رفض طاعة العدو

يقول تعالى: >وَلاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَاتَّبَعَ هَوٰاهُ وَكٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً<[63].

الموقف الآخر من العدو هو حرمة طاعته والخضوع لأوامره ونواهيه. إن هؤلاء الكفار قد حجبهم الله عن الهدى، وأغفل قلوبهم عن ذكره؛ بسبب سيئاتهم وذنوبهم وإعراضهم عن الله، فعاقبهم الله تعالى بالإغفال والحجب والعمى والصمم.

فلا يجوز اتباع هؤلاء الذين أغفل الله قلوبهم وحجبهم عن ذكره، إنهم لا يزيدون الناس إلا شقاءً وبعدا عن الله، إنما الطاعة لله ولرسوله ولأوليائه الذين أمر الله تعالى بطاعتهم… وأيّ طاعة أخرى في غير هذه الطاعة فهو من الشرك في الطاعة، والشرك في الطاعة يخرج صاحبه عن دائرة التوحيد.

و. المقاطعة الكاملة

يقول تعالى: >قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ 1 لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ 2 وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ 3 وَلَآ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمۡ 4 وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ 5 لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِیَ دِينِ<[64].

إنها المقاطعة الكاملة، لا هوادة فيها ولا تراجع عنها، ولا مهادنة فيها للكافرين، مقاطعة في الدين والمنهج والحياة والأخلاق والثقافة والمعاشرة والعبادة والاقتصاد والنفوذ.

إن هذه السورة تلغي كل ألوان اللقاء بالكافرين، وتقطع كل جسور الولاء بيننا وبينهم.


المصدر
كتاب النصر الإلهي ومنهج التعامل مع الأعداء
Exit mobile version