مقالات

الفكر الحركي والعمل الحركي

تحقيق وتصحيح: حسين اليوسف

تقسيمات الفكر

في البدء، لا بدّ أن نعرف المقصود من الفكر الحركيّ والعمل الحركيّ، والفرق بينهما وبين الفكر والعمل غير الحركيين.

للفكر تقسيمات، ومن تقسيماته:

الفكر (التابع) الذي يساير التيّار.

والفكر (الفاعل) الذي يخترق التيّار ويخلق التيّار.

والفكر (الهجين) الذي يلفِّقه أصحابه من مجموعة من الأفكار على أساس التلاقي والتفاهم والترضية والمصالحة بين الأفكار.

والفكر (الأصيل) الذي يرفض التلفيق.

والفكر (المدافع) الذي لا يملك مقوّمات المبادرة بالهجوم، وإنّما يقتصر دوره على الدِّفاع عندما يتعرّض للهجوم.

والفكر (المهاجم) الذي يقتحم حصون الخصوم ويدخل عليهم عقر دارهم ليغزوهم فيه.

والفكر (المتحفِّظ)..

والفكر (الاقتحامي)..

ومن هذه التقسيمات أيضاً: الفكر (الحركيّ)، والفكر (غير الحركيّ).

مفهوم الحركيّة

ولابدّ من توضيحٍ لمفهوم (الحركيّة) في الفكر والعمل، فهو مصطلح جديد في الفكر المعاصر، ولكنّه مفهوم قديم، وسوف نجد أنّ القرآن يعرض هذا المفهوم في أكثر من آية، وربما لأوّل مرّة في تاريخ الفكر والحضارة البشريّة.

ونقصد بـ (الحركيّة): الفكر والعمل اللذان ينهضان بدور التغيير في البنية الاجتماعية والفكرية والسياسية للمجتمع.

إنّ (الحركيّة) في الفكر والعمل هدم وبناء؛ هدم للمؤسّسات القائمة، وبناء جديد لهذه المؤسّسات.

وليس الهدم لوحده (حركة)؛ فقد يكون الهدم نافعاً ومفيداً، ولكنّه لوحده شطر من الحركة، وليس كل الحركة.

و(البناء) وحده ليس بحركة؛ فقد يكون البناء مفيداً ونافعاً، كالمؤسّسات الخيريّة المنتشرة في المجتمع والنظريّات العلمية، فهي مؤسّسات ونظريّات علميّة نافعة ومفيدة للمجتمع، ولكنّها لا تهدم فكراً وثقافة قائمة فاسدة، لتحل محلّها وتكون بديلة عنها على النهج الصحيح والصالح؛ ولذلك، لا تواجَه هذه النظريّات والمؤّسسات والأعمال مواجهة قويّة من قِبَل الوضع الفكري والحضاري والاجتماعي القائم. بخلاف الفكر الحركيّ والعمل الحركيّ، فإنّهما يواجهان واقعاً فكريّاً وعمليّاً قائماً في المجتمع.. بالهدم والنقض والتغيير، ليحلّا محلّ الواقع الفاسد.

وبطبيعة الحال يواجه هذا الفكر والعمل البديل مقاومة عنيفة من قِبَل النظريّات والمؤسّسات القائمة في المجتمع.

المفاهيم الحركيّة الخمسة في آية الأنفال

وفي آية الأنفال، نلتقي خمسة مفاهيم حركيّة هي: (الإيمان) و(الهجرة) و(الجهاد) و(الإيواء) و(النصرة). يقول تعالى:

<إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ>[1].

و(الإيمان) فكر حركيّ؛ لأنّه يقوم على أساس الرّفض والبناء؛ رفض كل سيادة غير ولاية الله تعالى على الإنسان، وإقامة وتشييد الولاء والحاكميّة لله تعالى في حياة الإنسان على وجه الأرض.

و(الهجرة) و(الجهاد) عملان حركيّان باتجاه إسقاط المؤسّسات القائمة على الشرك، واستبدالها واستبدال نظريّة تعدّديّة السيادة، بالتوحيد والمؤسّسات القائمة على التوحيد.

وذلك لأنّ (الهجرة) إعداد للانقضاض على الشرك ومؤسّساته ونقضه. و(الجهاد) انقضاض فعليّ على الشرك ومؤسّساته. فالهجرة والجهاد – إذن – عملان حركيّان.

وتضيف إليهما آية الأنفال (الإيواء) و(النصرة): <وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا>، وهما عملان يشتركان بالنتيجة مع الهجرة والجهاد؛ لأنّ (الإيواء) و(النصرة) دعم وإسناد لـ (الهجرة)، فهما – إذن – ينضمّان بالنتيجة إلى قائمة الأعمال الحركيّة، ولا تتمّ الهجرة من دونهما.

فما لا يتم العمل الحركي إلاّ به يدخل في دائرة الأعمال الحركيّة. يقول تعالى:

<وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ>[2].

تفضيل العمل الحركيّ على العمل غير الحركيّ في القرآن

في كتاب الله نلتقي آيتين تفضِّلان العمل الحركي على العمل غير الحركيّ في سورتي (النساء) و(التوبة).

ففي سورة النساء، نقرأ: <فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 95 دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا>[3].

والتفضيل في الآية الكريمة ليس للجهاد على القعود، وإنّما لحالة القيام والحركة والجهاد على حالة القعود. وهذا المعنى هو الذي يناسب قوله تعالى: <وكُلاًّ وعد الله الحسنى>، فإنّ (الحسنى) التي وعد الله تعالى بها المؤمنين تناسب العمل، إلّا أنّ العمل على طائفتين: العمل الحركيّ والعمل غير الحركيّ، وكُلّاً وعد الله الحسنى، وفضّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً.

وفي سورة التوبة، نقرأ: <أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 19 الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ>[4].

وقد نزلت هذه الآية الكريمة عندما فاخر العبّاس عمّ رسول الله (ص) عليّاً (ع) بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ، فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية في محكم كتابه.

وليس من شكّ أنّ عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ عملان صالحان، ولكن دون درجة مثلّث (الإيمان والهجرة والجهاد).

والأعمال الصالحة في حياة الناس لا تخلو من الجهد في هذين النوعين؛ نوع منها من قبيل الإيمان بالله والهجرة والجهاد، والنوع الآخر من قبيل عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ، ويختلف القسم الأوّل من الأعمال عن القسم الثاني في نقطتين: في القيمة والجهد.

فإنّ الأعمال الحركيّة نقض وبناء كما ذكرنا، فهي أعمال تأسيسيّة في قاعدة البنية الاجتماعية، بينما الأعمال غير الحركيّة، لا تحتلّ هذا الموقع الأساس من جسم المجتمع مهما كانت نافعة وصالحة.

والمجتمع يتحوّل من قاعدة الشرك إلى التوحيد بالنوع الأوّل من الأعمال، وليس للنوع الثاني هذا الدور القاعدي والأساس في بناء المجتمع.. وقيمة العمل عند الله تعالى تناسب قيمته في حياة الناس وبناء المجتمع.

ولذلك، يقول تعالى في هذه الطائفة من الأعمال: <أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ>[5]، هذا من حيث (القيمة).

أمّا من حيث الجهد، فإنّ العمل من النوع الأوّل يواجه مقاومة شديدة وقويّة من قِبَل كل المستفيدين من الحالة القائمة. بينما لا تواجه الأعمال غير الحركيّة من النوع الثاني مثل هذه المواجهة.

وفيما يأتي سوف نقدِّم لهذا الكلام توضيحاً من خلال كتاب الله.

التديّن الحركيّ والتدين غير الحركيّ

إنّ هذا التقسيم للأعمال الصالحة يؤدِّي بنا إلى تصنيف حالة (التديّن) إلى حالتين: حالة حركيّة، وحالة غير حركيّة. وكلاهما من التديّن، إلاّ أنّهما لا يستويان عند الله، وكلّاً منهما يريده الله تعالى، ولكن بقيمتين مختلفتين.

الفرق بين التديّن الحركيّ والتدين غير الحركيّ

وبين هذا التديّن وذاك فارقان اثنان تبيِّنهما الآية السابعة من سورة الأنفال:

الفارق الأوّل:

يقول تعالى: <وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ>[6].

وقد نزلت هذه الآية بعد معركة بدر التي أعزّ الله فيها المسلمين بالنصر، وفيها يذكِّر الله تعالى المسلمين، أنّ الله تعالى وعدهم قبل أن يخرجوا إلى (بدر) أحد الأمرين:

إمّا الظّفر بتجارة قريش التي كان أبو سفيان يحملها من الشام إلى مكّة.

وأمّا النصر الذي يعزّ الله تعالى به الإسلام.

إلاّ أنّ الثاني منهما يكلِّفهم في الأموال والأنفس، ويثخنهم بالجراح. والأوّل لا يكلِّفهم في أموالهم وأنفسهم شيئاً <وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ>.

وقد كان المسلمون يومئذ يؤْثِرون الأوّل منهما على الثاني، ويودّون أن يرجعوا إلى بيوتهم في المدينة بتجارة قريش، وليس بفقد أبنائهم وأزواجهم وإخوانهم.

وقد علم الله تعالى ذلك من نفوسهم ونيّاتهم؟رحهم؟: <وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ>. فتذكِّرهم آية الأنفال بأنّ الإنسان لو تُرِكَ وشأنه، فهو يؤثر العافية في الدّنيا على ذات الشّوكة، إلاّ أنّ الله تعالى يريد لهم غير ما يريدون لأنفسهم من العافية، وشتّان بين ما يريده الله تعالى للمؤمنين من نصر وعزّ لا يتحقّق إلاّ بذات الشّوكة، وبين ما يريده الإنسان لنفسه من عافية لا تتحقّق إلاّ بالهوان والذّلّ.

إنّ أعمالاً؛ من قبيل (عمارة المسجد الحرام) و(سقاية الحاجّ)، لا تكلِّف الإنسان كثيراً، ولا تسلب منه استقراره وسلامته وأمنه، ولا تعرِّض حياته للخطر، ولا تعرِّض علاقاته الاجتماعية والعائلية والمادية والسياسية للتقطيع والتبديل.

بينما نجد أنّ أعمالاً؛ من قبيل الهجرة والجهاد، تُعرِّض الإنسان لمتاعب كثيرة وتقطع علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتستبدله بنوع آخر ونسيج آخر من العلاقات الوطنية والاُسرية والعائلية، وهذا التقطيع والتبديل لنسيج العلاقات من أشقّ الأعمال على الإنسان.

يقول تعالى في المهاجرين: <لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ…>[7]. إنّ الإيمان والهجرة والجهاد تفتِّت وتقطع كل خيوط العلاقة في حياة الإنسان، وتنسجه نسجاً جديداً على أساسٍ وفهمٍ جديدين للحياة.

يقول تعالى عن هذا التبديل الذي يُحدثه الإيمان في نسيج العلاقات في حياة الإنسان:

<يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ>[8].

<قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ>[9].

وقد يُقاتل الإنسان في ساحة الجهاد أقرب الناس إليه وألصقهم به؛ من آبائه وإخوانه وأبنائه.

يقـول أمير المؤمنين (ع): «ولقد كنّا مع رسول الله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضيّاً على اللَّقَم، وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدوّ. ولقد كان الرّجل منّا والآخر من عدوِّنا يتصاولان تصاول الفحلين ويتخالسان أنفسهما، أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون؛ فمرّة لنا من عدوِّنا، ومرّة لعدوِّنا منّا. فلمّا رأى الله صدقنا، أنزل بعدوِّنا الكبت، وأنزل علينا النّصر»[10].

ويقول زين العابدين عليّ بن الحسين (ع): «اللّهمّ وأصحاب محمّد (ص) خاصّة، الّذين أحسنوا الصّحبة، وأبلوا البلاء الحسن في نصره، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته، فلا تنس لهم اللّهمّ ما تركوا لك وفيك، وكانوا مع رسولك لك إليك»[11].

الفارق الثاني:

يقول تعالى: <وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ>[12].

إنّ طريق ذات الشوكة التي اختارها تعالى للمسلمين يومئذ ببدر، وإن كان قد كلّفهم كثيراً في أموالهم وأنفسهم وعلاقاتهم وشقّ عليهم، ولكنّ الله تعالى أراد أن يرسِّخ بهم قواعد هذا الدين والتوحيد والحق على وجه الأرض، ويقطع بهم دابر الكافرين. وشتّان بين ما كانوا يريدون لأنفسهم من عافية رخيصة هنيّة، وما كان الله تعالى يريد لهم من قوّة ومنعة وشوكة وعزّة.

إنّ المسلمين الذين عاشوا ظروف التقشّف والجهاد في المدينة، وظروف الحصار والاضطهاد والمطاردة في مكّة.. غيّروا وجه التاريخ، وفتح الله لهم الأرض، بينما نجد أنّ أبناءهم الذين شيّدوا قصور قرطبة وغرناطة وأحيوا ليالي الشام وبغداد السّاهرة في السّكر والطّرب، أضاعوا ثمرات جهود الآباء وجهادهم.

أنحاء التديّن

خلاصة القول أنّ التديّن على نحوين: تديّن وديع وهادئ ومريح، لا يكلِّف الإنسان في ماله وعافيته ونفسه واستقراره. وتديّن شاقّ وعسير يكلِّف صاحبه نفسه ونفوس أحبّائه وماله وعافيته وأمنه واستقراره وعلاقاته وشمله.

والأوّل لا يغيِّر من واقع الحياة شيئاً، ولا يحقّ حقّاً، ولا يبطل باطلاً؛ بل لا يشعر به أحد، ولا يمسّ مصالح أحد بسوء، ولا يتبنّى الدفاع عن ظلامة مظلوم، ولا يرفع صرخة مضطهد معذّب في الأرض.

والثاني هو التديّن الذي يغيِّر وجه الحياة، ويفكّ الآصار والأغلال عن الناس، ويقتحم ويخترق الحواجز والعوائق، ويحقّ الحقّ على وجه الأرض، ويبطل الباطل، وإن كره الظالمون.

وهناك التديّن الضعيف والخمول، وفي مقابله التديّن القوي والشجاع والجريء..

وهناك التديّن المسالم، وفي مقابله تديّن الصِّراع والمواجهة والتحدِّي..

وهناك التديّن الذي يعزل صاحبه عن ساحة المجتمع، ولا يكلِّف صاحبه إلّا فضول الوقت وفضول المال وفضول الرّاحة، وفي مقابله التديّن الذي يدفع بصاحبه إلى التضحية بعمره وماله ونفسه وعافيته وراحته..

وهناك التديّن الذي يوازن به صاحبه بحساب دقيق بين الدِّين والدنيا، فلا يفرِّط بهذا من أجل ذاك، ويجمع بينهما، ويحتفظ بهما بموازنات دقيقة، وفي مقابله التديّن الذي لا يريد به صاحبه إلاّ وجه الله تعالى..

وهناك التديّن الذي يسعى به صاحبه إلى المكر والظلم، وفي مقابله التديّن الذي يجابِه به صاحبه المكر والظلم.

وهناك التديّن المثاليّ الذي يتهرّب به من الواقع، وفي مقابله التديّن الواقعيّ الذي يتعامل به مع الواقع..

وباختصار؛ هناك التديّن الخامل الذي لا يترك أثراً في واقع حياة الناس، وفي مقابله التديّن الحركيّ الذي يغيِّر ويبدِّل وجه الحياة إلى ما يريده الله تعالى..


[1] الأنفال: 72.

[2] الحشر: 9.

[3] النساء: 95-96.

[4] التوبة: 19-20.

[5] الأنفال: 4.

[6] الأنفال: 7.

[7] الحشر: 8.

[8] التوبة: 23.

[9] التوبة: 24.

[10] نهج البلاغة، الخطبة: 56.

[11] الصحيفة السجّاديّة.

[12] الأنفال: 7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى