الانتظار ومقارعة الاستكبار

مقالة للشيخ محمد مهدي الآصفي بعنوان: الانتظار ومقارعة الاستكبار

حتمية سقوط الحضارة الغربية

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ظهر كاتب أمريكي ياباني الأصل بكتاب يتنبّأ فيه عن سقوط الحضارة الغربيّة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي[1]؛ حيث يقول إنّ التاريخ يتحرّك بعامل التحدِّي والاستجابة، ويوم كان للغرب ندٌّ ومنافس على الصعيد العسكري والسياسي والعلمي، كان هذا التحدِّي المتقابل والاستجابة للتحدِّي عاملاً لاستمراريّة الحضارة في الغرب. وبعد أن سقط الاتحاد السوفيتي تعطّل هذا العامل بحكم حتميّات التاريخ، ولم يعد ممكناً أن يطول بقاء الحضارة الغربية.

نحن مع هذا الفهم ومع هذا التصوّر، ولكن بغير هذا التحليل، وإنّما بتحليل آخر غير ما يذكره هذا الكاتب.

نحن نفهم أنّ الحضارة الغربية فقدَت مقوّمات بقائها، ولم يعد بإمكانها مواصلة الشَّوط بعد أن فقدت الإيمان بالله والتوحيد. فالتوحيد من مقوّمات حياة الإنسان على وجه الأرض، والمعادلة الإلهيّة التي يُقَوِّم بها الله تعالى حياة الإنسان تعرّضت لهزّة عميقة، فانشطرت البشرية إلى شـطرين: المستكبرين، والمستضعفين في الأرض.

واسـتخدم المسـتكبرون في الأرض كلّ الوسائل لإذلال وتركيع المستضعفين في الأرض، وانتزعوا من يد الصالحين القوّة والإمكانات.

يقول سبحانه وتعالى: <وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ>[2].

هذه الآية الكريمة تبيِّن تلك الحقيقة، فالمعادلة تختلّ، ولكنّ الله تعالى يعيد كل شيء إلى نصابه، فهذه مشيئة الله، وهي فوق كلّ مشيئة، وإرادته فوق كل إرادة، فإرادة الله قاهرة لا توازيها حتميّة من حتميّات التاريخ، فالله عزّ وجلّ يريد أن يعيد القوّة والإمامة والمواريث إلى أيدي الصالحين من عباده الذين استضعفهم الفاسدون من الناس.

إنّ مسيرة المستكبرين مسيرة منحرفة، والله عزّ وجلّ خلق القوّة العسكرية والمال والإعلام، هذه العناصر الثلاثة للسلطة، حتّى تكون بيد الصالحين.

إن كانت القوّة بيد الصالحين، فهذه القوّة تبني وتُعمِّر وتُصلح وتُثمر، وإن تحوّلت هذه القوّة إلى يد الفاسدين، فإنّها تتحوّل من عنصر بِناء إلى عنصر تخريب، وتتحوّل من عامل إصلاح إلى عامل إفساد، والله عزّ وجلّ لا يمكن أن يترك مسيرة التاريخ وعجلته بيد الفاسدين من الناس. فلو لاحظنا النقاط الثلاث التي تبيِّنها الآية الكريمة:

فالأولى هي قيادة البشرية وهي الإمامة.

والثانية هي القوّة.

والثالثة هي الوراثة.

الله عزّ وجلّ يقول إنّ هذه النقاط الثلاث: القيادة والإمامة، والوراثة، والقوّة، يجب أن نحوّلها من يد المستكبرين إلى المستضعفين، من الفاسدين إلى الصالحين. فننزع القيادة والإمامة من الظالمين والفاسدين، ونعطيها للصالحين، فالقيادة للصالحين. والأمر الثاني هو الوراثة، فهذه الإمكانات الهائلة والضخمة التي بأيدي الفاسدين من الناس ينقلها الله عزّ وجلّ إلى الصالحين من الناس بموجب قوله: <وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ>.

الصالحون من عباد الله لديهم ميراثان: ميراث يرثونه من الأسلاف الصالحين، وميراث آخر يرثونه من الطّغاة والجبابرة.

أمّا ميراثنا من الأسلاف الصالحين؛ من الأنبياء والصدِّيقين، من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله محمّد (ص)، فهو التقوى والتوحيد والتضحية والقِيَم والعَطاء والفداء والإنسانية. هذا هو ميراثنا من الصالحين.

أمّا ميراثنا من الجبابرة والطّغاة، فهو القوّة والمال والإعلام؛ أي السلطة. هذا هو ميراثنا من أيدي الجبابرة، فالله عزّ وجلّ ينقل لنا هذا الميراث بشطرين. يقول تعالى: <وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ>[3]، يعطينا القوّة والسلطان في وجه الأرض.

هذه هي مشيئة الله تعالى وإرادته، ولكنّ هذه المشيئة والإرادة الإلهية في حياة الإنسان هي قانون وليست أمراً عفوياً. يقول تعالى: <إِنَّ اللهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ>[4]. صحيح أنه لا شيء يفوق إرادة الله تعالى، وصحيح أنّ عَجَلة التاريخ لا تتحرّك من دون إرادة الله، ولكن أيضاً إرادة الله تجري طبق قانون ونظام في حياة الإنسان.

الانتظار القيميّ

نحن في عصر الانتظار، الانتظار في القيم الإنسانية قيمة كبيرة، فقد ورد في الأحاديث: «الْمُنْتَظِرُ لِأَمْرِنَا كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّه‏»[5].

وللانتظار معنيان: معنى سلبيّ، ومعنى إيجابيّ. إنّ معنى من معاني الانتظار الترقّب، فأنا أنتظر كسوف الشمس وخسوف القمر، وهي أشياء خارجة عن إرادتي. هذا الانتظار نسميه الترقّب (الانتظار السلبي)، وهذا الانتظار لا يغيِّر ولا يبدِّل ولا يحوِّل الواقع، ويبقى عامل الانتظار بمعزل عن الحدث الذي يتوقّعه الإنسان تماماً. أريد أو لا أريد، أنتظر أو لا أنتظر، هذا الأمر لا يقدِّم ولا يؤخِّر لحظة واحدة في كسوف الشمس، لا يقرِّبه أو يبعده.

ولكن لدينا نوع آخر من الانتظار، وهو الانتظار الإيجابيّ، الانتظار الّذي يتعلّق بالدّور وصناعة الحدث، فالقائد الذي ينتظر النصر هو الذي يصنع النصر إذا كان يخطِّط ويعمل ويعبِّئ ويحشد الإمكانات، إذا كان يوجِّه قدراته وقوّاته يستطيع أن يقرِّب النصر، وعندما لا يتحرّك يستطيع أن يبعد النصر، وعندما لا يتحرّك أكثر يمكن أن يتحوّل من النصر إلى الهزيمة، هذا نوع من الانتظار.

والانتظار الذي نعيشه هو الانتظار الثاني، فالتاجر الذي ينتظر الرِّبح لو يجلس في بيته لا يتحرّك، لا يذهب إلى السوق، لا يسوِّق بضاعته، ولا يطّلع على الأسعار، مثل هذا التاجر يجب أن لا ينتظر الرِّبح، إنّما يصحّ أن نقول إنّه ينتظر الرِّبح إذا كان يتحرّك وينزل إلى السوق ويسوِّق البضاعة ويعرف الأسواق العالميّة ويكون على صلة مباشرة، يحرِّك بضاعته ويحرِّك رأس ماله، مثل هذا التاجر ينتظر ويتوقّع الرِّبح.

إنّ انتظارنا للإمام المهدي (عج)، والذي هو قيمة من القيم، إنما هو بالمعنى الثاني. فالمعنى الأوّل ننتظر الإمام (عج) إلى أن يظهر، هذا الانتظار عند الصيحة مثلاً، هذا الانتظار هو انتظار سلبيّ لا يشكِّل قيمة كالذي يقول عنه الإمام: «الْمُنْتَظِرُ لِأَمْرِنَا كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّه‏»، إنه انتظار ليس بذي قيمة، ولا يشكِّل حركة أو تغييراً في واقعنا، ولا يعبِّر عن المعنى الصحيح. يجب أن يكون انتظاراً يساهم في صناعة الحدث.

فظهور الإمام (عج) شيء مرتبط بحركتنا، ومن الخطأ أن نتصوّر أنّ ظهور الإمام (عج) منفصل عن حركتنا ووعينا وحياتنا السياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ منفصل عن جهدنا وجهادنا وتحرّكنا، هذا الفهم السلبيّ للانتظار فَهْم خاطئ وغير إيجابيّ، والانتظار الحقيقي لا يكون بهذا المعنى.

إنّ الإمام (عج) ينتظر حركتنا ولسنا نحن الذين ننتظر ظهور الإمام؛ أي نستطيع أن نقلِب المعادلة ونقول: الحقيقة أنّ الإمام ينتظر حركة هذه الاُمّة ووعيها.

الانتظار يعني التحدِّي، فالإنسان الذي تلتهمه أمواج البحر وهو يرى أنّ قارب النجاة يقترب إليه بالتدريج، يختلف عن ذاك الذي ينظر يميناً، فلا يرى أملاً، ينظر شمالاً، فلا يرى أملاً، ينظر أمامه وخلفه.. فلا يرى شيئاً، حينذاك يستسلم لأمواج البحر. أمّا الإنسان الذي يرى أنّ قوارب النجاة تسعى إليه من الساحل، فإنه سوف يقاوم أمواج البحر.

الانتظار إعداد، فكلّما أعددنا أنفسنا، أعددنا القوّة، أعددنا الوعي، ووطّنّا أنفسنا لظهور الإمام (عج)، نقرِّب ظهور الإمام. كلّما اتّحدنا وتآلفنا، ووضعنا أيدينا بيد بعض، وجعلنا قلوبنا مع بعض، ووحّدنا كلمتنا، نقرِّب ظهور الإمام. وإن اختلفنا وتشتّتنا وانتزعنا أيدينا من بعض، نُبعد ظهور الإمام (عج).

فظهور الإمام يُعتبر جزءاً من واقعنا السياسي وواقعنا الحركي والاجتماعي.


[1] هو أرنولد توينبي: مؤرخ وفيلسوفُ تاريخ بريطاني، عاش بين عامي (1889 – 1976)، صاحب نظرية (التحدي والاستجابة) (Challenge and response)، وهي نظرية في فلسفة التاريخ مؤداها أنّ الحضارة تنشأ عندما يواجه شعب ما تحديًا يهدد كيانه، فيواجه هذا التحدي ببذل جهد مضاعف استجابة لحب البقاء، ويعتبر الحضارة كأساس للوحدة التاريخية. ويقسّم التاريخ إلى 21 حضارة متطورة، وخمس حضارات متوقفة أو جامدة، ثم يدرس هذه الحضارات ويقارن فيما بينها.

لمعلومات أكثر حول هذه النظرية، انظر: سلسلة الغزو الثقافي للعالم الإسلامي 1 (قصة الغارة الحضارية على العالم الإسلامي) للشيخ محمد مهدي الآصفي، تحقيق: د. حسين اليوسف، ط دار الوفاء، 2025، ص38.

[2] القصص: 5.

[3] القصص: 6.

[4] الرعد: 11.

[5] تحف العقول للحراني: 115.


لقراءة بقية مقالات الشيخ محمد مهدي الآصفي اضغط هنا

Exit mobile version