مقالة للشيخ محمد مهدي الآصفي بعنوان: خط الإمام الخميني
خطّ الإمام الخميني جدير بالدراسة والتحقيق
من أهمّ مكاسب الثورة الإسلامية ظهور خطّ سياسي إسلامي، يعبّر عن مواقفنا الاستراتيجية السياسية والجهادية، ويرتبط بمواقعنا وأصولنا الفكرية والإيمانية. وذلك هو خط الإمام الخميني (حفظه الله) قائد الثورة الإسلامية الكبرى في عصرنا ومؤسّس الجمهورية الإسلامية.
ولا شكّ أنّ ظهور خط الإمام حدث سياسي مهم، يستحق دراسات واسعة وتحقيقية، فلأول مرة في العصر الحاضر يكون لجهادنا السياسي خط سياسي محدد المعالم واضح الاتجاه.
وقد ظهر مصطلح «خط الإمام» لأول مرة عند احتلال السفارة الأمريكية من قبل الطلبة المسلمين، الذين سمّوا أنفسهم بـ «الطلبة السائرين على خط الإمام»، ومنذ هذا التاريخ دخل هذا المصطلح في قاموس الثورة، إلاّ أنّ مضمون خط الإمام والمحتوى السياسي والفكري لهذا المصطلح، كان موجوداً في عمق الثورة قبل ذلك بزمان بعيد.
لقد جمعت الثورة في مسيرتها كل الغاضبين والناقمين على النظام الشاهنشاهي، في بداية السير، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكان للنظام الملكي أعداء ومناوئون سياسيون كثيرون، جمعتهم الثورة الشعبية العارمة، وكلٌّ يمنّي نفسه أن يحتوي الثورة بعد أن تُحقّق هدفها وتسقط النظام الملكي العتيد.
ورغم أنّ قيادة الثورة كانت خلال المسيرة للإمام الخميني (حفظه الله) بلا منازع، فقد كانت الثورة تستوعب كل الأطراف السياسية المعارضة للشاه، على أمل أن تحقق الثورة سقوط النظام لتبدأ الجولة الثانية من الصراع السياسي الحادّ لاستيعاب واحتواء الثورة.
فلمّا حققت الثورة هدفها وسقط النظام المَلَكي تحت أقدام الشعب الثائر وسحبت تماثيل الملك من الساحات والميادين، بدأ صراع جديد حول القيادة الجديدة التي تخلف النظام المَلَكي، ودخل الحزب الشيوعي، والأحزاب اليسارية الماركسية، والأحزاب الوطنية، والجماعات (الإسلامية ـ الماركسية)، والأحزاب القومية، في المعترك السياسي لاحتواء الثورة أو تقسيم الميراث، وأخذ الصراع شكلاً حقيقياً، ولولا هيمنة الشارع الإسلامي على الثورة وقوة ونفوذ قيادة الإمام، لكان الصراع يأخذ شكلاً مخيفاً.
وفي هذه المرحلة تمايزت الخطوط السياسية، وتميّز من بين هذه الخطوط «خط الإمام»، كخط سياسي واضح المعالم والاتجاه، واجتذب هذا الخط، دون سائر الخطوط، جماهير الأمة، وعزل سائر الخطوط عن الساحة السياسية.
ولسوف نتناول، في هذه المقدمة تاريخ وخصائص ومكاسب وضريبة وقيمة ومعالم ومصادر خط الإمام بشكل موجز إن شاء الله تعالى.
لمحة تاريخية
في غفلة من أجهزة الرصد السياسي للاستكبار العالمي الشرقي والغربي، كان ينمو في العالم الإسلامي وعي سياسي إسلامي أصيل، وبصورة هادئة، وهيّأ الله تعالى لهذا الوعي السياسي أن ينمو نمواً سوياً، ويأخذ حظّه من النضج. فقد تكوّن هذا الوعي على شكل صحوة سياسية، في العالم الإسلامي في الطبقة المؤمنة المثقفة بصورة محدودة، ثم تحول إلى وعي سياسي وتوسّعت مساحته، وشملت مساحات كبيرة من الأمة، وتحوّل في جسم الأمة إلى حركة واعية باتجاه عودة الإسلام إلى الحياة من جديد وتفاعلت هذه الحركة في جسم الأمة وتحولت إلى انتفاضة شاملة في إيران، والعراق، ومصر، والأردن، والسودان، وباكستان، وأكثر الأقاليم الإسلامية.
وقد نجح الاستكبار العالمي في امتصاص هذه الانتفاضات الإسلامية والجماهيرية، في بعض الأقطار بخبث وذكاء، وفشل في أقطار أخرى، فاستعمل العصا، والعصا في حساب الحكام الورقة الأخيرة التي ليس وراءها ورقة أخرى.
وتحولت هذه الانتفاضة إلى ثورة إسلامية هزت أمواجُها العروش والتيجان والمعادلات السياسية في المنطقة، واجتذبت اهتمام كل المسلمين وكل المحرومين، وأخذ الناس في العالم يتابعون أخبار الثورة الإسلامية باهتمام وحرص.
حتى شاء الله أن تفلح الثورة في إقامة أول دولة إسلامية في العصر الحاضر.
وأصبحت هذه الدولة المباركة موضع أمل عامة المحرومين والمستضعفين من المسلمين وغيرهم، وأصبح هذا الكيان رغم حداثته يهدد كل الكيانات السياسية التقليدية القائمة على العمالة الشرقية والغربية أو المزدوجة. وبدأ التفاعل الجماهيري مع الثورة الإسلامية والدولة الإسلامية المباركة بتصاعد في العراق وفي الخليج والسعودية ولبنان، بشكل غير اعتيادي، مما حرك جرس الإنذار للحكام في المنطقة ولأسيادهم خارج المنطقة، فتكالبت القوى الاستكبارية العالمية، وفي مقدمتها أمريكا ثم فرنسا، لمضايقة ومحاصرة هذه الثورة والدولة الإسلامية المباركة.
زرعوا أمام الدولة المباركة عقبات وألغاماً ومتاعب ومشاكل سياسية واقتصادية وعسكرية، كان آخرها الحرب التي أثارها النظام العراقي ضد الجمهورية الإسلامية.
وكان على هذه الدولة المباركة أن تجتاح هذه العقبات واحدة بعد أخرى، وتنتهي من عقبة اقتصادية لتتجاوز أخرى سياسية، وتنتهي من عقبة سياسية، لتبدأ باجتياز أخرى عسكرية، وقد كان يتزامن في وجه الدولة المباركة أكثر من عقبة داخلية وخارجية في وقت واحد.
وتجاوزت الثورة والدولة المباركة هذه العقبات، بحول الله تعالى وتأييده، بتوفيق ونجاح منقطع النظير.
وخلال هذه التحولات والانقلابات والأحداث الكبرى الخطيرة والمواجهات الجادّة السياسية والعسكرية والاقتصادية والابتلاءات الصعبة، تنامي داخل الأمة خطّ سياسيّ حركيّ وفكريّ وجهاديّ، يشكّل استراتيجيتنا السياسية والجهادية، وينبع من الأصول العميقة لتفكيرنا الإسلامي، وذلك هو «خط الإمام».
وهذا الخط في أصوله التاريخية المعاصرة، هو نفس الوعي السياسي الإسلامي، الذي اجتاز هذه المراحل السياسية والجهادية خلال نصف قرن من الزمان تقريباً، حتى تكاملت أبعاده، وكمل نضجه ونموه، وظهر على الساحة الإسلامية على شكل خط الإمام، من خلال السلوك السياسي والجهادي لقائد المسيرة الإسلامية الإمام الخميني (حفظه الله).
خصائص وميزات خط الإمام
1. الغطاء الإنساني
الخاصية الأولى، في هذا الخط، أنّ هذا الخط ليس خطاً سياسياً وجهادياً نظرياً تبلور من خلال تنظيرات علمية ودراسات سياسية أكاديمية، وإنما تبلورت أبعاد هذا الخط السياسية والجهادية، من خلال ركام من جهاد وجهود العاملين وأتباعهم وتحركهم وسهَرهم ودمائهم ودموعهم ومتاعبهم خلال طريق ذات الشوكة، ومن خلال عذابهم وسجنهم وهجرتهم وفرارهم وقرارهم، خلال هذه الفترة المباركة من عمر المسلمين.
وهذه الجهود والمجاهدات هي غطاء لخط الإمام، وليس مجموعة نظريات ودراسات أكاديمية، وهو غطاء مبارك يبعث على الاطمئنان والأمن.
فإنّ الإنسان العامل، عندما يضع خطاه على هذا الخط المبارك، يعلم أنه يضع خطاه على طريق شقّته أمة كبيرة من المجاهدين والعاملين في سبيل الله، من خلال تجاربهم وآلامهم وعذابهم وعملهم وتحركهم وجهادهم، وما رزقهم الله من نور وبصيرة خلال هذه الحركة المباركة.
ولقد سدّد الله تعالى الكثير من الأخطاء وقوّم الكثير من الزّلّات في حياة العاملين خلال هذه الجولة الربانية الكادحة.
وكان هذا الخط حصيلة هذه التجارب والابتلاءات.
وقد كانت الأمة خلال هذه المسيرة الشاقّة والشائكة وقود الحركة، ومصبّ كل الآلام والمَحن، التي تجاوزتها الحركة والثورة الإسلامية في مراحلها المختلفة، وقد دفعت هذه الأمة الكبيرة ولا تزال تدفع ضريبة هذه الحركة الربانية في التاريخ، وتحملت آلام الطريق ومتاعبه بصبر وجلَد.. فمن الطبيعي إذن أن يكون هذا الوعي والخط السياسي الذي تبلور خلال هذه الفترة، قد تبلور في عمق ضمير الأمة ووجداها وقناعتها، وتفاعلت معه الأمة تفاعلاً كاملاً، وتحول إلى قناعة وإيمان ثابت في عمق وجدان الأمة.
فهذا الخط ـ إذن ـ ليس خطاً فكرياً وسياسياً طارئاً يُفرض على أفكار الناس من خلال أجهزة الإعلام، وإنما هو الخط الفكري والسياسي والجهادي النابع من تجربة الأمة وقناعتها، ومعاناتها، وتكونت مفرداته، من خلال حركة الأمة وتضحياتها ومحنتها.
وهذا هو الغطاء الإنساني لخط الإمام.
وقد كان هذا الالتحام، بين الأمة وخط الإمام، من أهم أسباب وقوف الأمة بحزم وثبات لحماية خط الإمام وحراسته من الانحراف، ومن اندساس المنافقين والانتهازيين داخل الخط، بغية تحريفه وتوجيهه لخدمة مصالحهم الشخصية والفئوية.
2. الجذور الحضارية والتاريخية
ومن خصائص هذا الخط، أنّ الجذور الأولى له تمتد إلى رسالة الأنبياء والأئمة؟عهم؟، فليس هذا الخط خطاً مبتوراً اجتُثّ من فوق الأرض ما له من قرار، وإنما هو في أبعاده التاريخية خط الأنبياء والمجاهدين والدعاة إلى الله تعالى والأئمة (عليهم السلام)، وهو بذلك خط عريق، أصيل، ذو أصول ثابتة، والإحساس بهذه الحقيقة يعمّق صلة الناس العاطفية والعقلية بهذا الخط.
فالإنسان ليس كائناً مبتوراً عن أصوله وجذوره التاريخية وتراثه. وحيثما يشعر أنه يتبع في حركته مواضع خطى سلفه من الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والمقيمين للصلاة والمجاهدين في سبيل الله، فلا شك أنّ صلته بالخط وعلاقته به تتأكد، وتتصاعد درجة تفاعله الروحي والعقلي والعاطفي مع هذا الخط.
وهذا بالتأكيد من أهم عوامل بقاء الثورة الإسلامية واستمرارها على خط الإمام، رغم كل المعاكسات والعقبات التي واجهتها الثورة خلال هذه المسيرة الشاقة.
فقد انطلقت الثورة من المساجد، ومن على منابر الإسلام، ومجالس عزاء الحسين (ع)، وتصاعد مد الثورة خلال أيام محرم؛ حيث يجدّد المسلمون ذكرى سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع).
والذي يتتبع كلمات الإمام (حفظه الله)، خلال مسيرة الثورة، وبعد قيام الدولة، يجد أنّه يُولي اهتماماً كبيراً بربط الثورة بثورة سيد الشهداء الحسين (ع) والمحافظة على إقامة ذكرى الإمام الحسين في عاشوراء، بالصيغة الشعبية التي ألِفها المؤمنون، والاستفادة من منابر عاشوراء ومجالسها ومسيرتها في المحافظة على مكاسب الثورة مع المحافظة على الناحية المأساوية لذكرى عاشوراء والاستمرار في إقامة مجالس العزاء. كل ذلك لتبقي عجلة الثورة مشدودة بأبعادها التاريخية، ولتربط مسيرتنا السياسية والجهادية بتلك المسيرة الربانية الكبرى.
3. حاكمية الفقيه الجامع للشرائط
ومن ميزات وخصائص هذا الخط، «ولاية الفقيه»، والتأكيد على ارتباط الحاكمية بالفقيه، في عصر غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، وبذلك تتكامل حلقات سلسلة الحاكمية والولاية في حياة الإنسان، فإنّ الله تعالى هو مصدر الحاكمية والولاية، وقد أولى الله تعالى نبيه هذا الحق في حياة الناس: <النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ>[1]، ويتسلسل الحكم والولاية من أئمة المسلمين (عليهم السلام) بعد رسول الله (ص)، وفي عصر الغيبة تستقر هذه الولاية بصورة شرعية في الفقيه، الذي يلي أمور المسلمين ويتصدى لشؤونهم. وبذلك، تستقرّ الولاية على النصاب الشرعي لتتكامل حلقات هذه السلسلة.
4. الحفاظ على الأصالة
لم يتأثر هذا الخط، خلال العبور من وسط التيارات الحضارية المعاصرة، بشيء من مفاهيمها وأفكارها، وحافظ على إصالته ونقائه من التلوث الفكري والحضاري والسلوكي رغم أنّ كلَّ ما كان في الجو الحضاري السائد كان يشجع ويدعو إلى هذا التميّع والانصهار في المفاهيم والأفكار الغربية والشرقية.
وليس من شكّ أنّ الصلابة الفكرية لشخصية الإمام كانت من أهم عوامل هذه الأصالة، ففي بداية قيام الدولة، ويوم طرح الإمام (حفظه الله) هذه الدولة للاستفتاء على الرأي العام، خطب الإمام لتوجيه الرأي العام، وقال: «إنني أعطي رأيي للجمهورية الإسلامية» من دون زيادة أو نقيصة، وأوصد الباب بشجاعة، دون كل المحاولات التي كانت تحاول دسّ الديمقراطية، أو الشعبية، أو الاشتراكية، أو غير ذلك من المفاهيم والمصطلحات الدّخيلة على جوهر هذه الدولة ومحتواها.
ثم تبنت الثورة، من خلال توجيهات وخطابات الإمام ورجال الثورة وشعارات وهتافات الأمة، شعار (اللا شرقية واللا غربية).
وما أدراك ما قيمة هذا الشعار وعمقه ووزنه السياسي!!
فلقد كانت ولا تزال الحكومات والأنظمة في هذه المنطقة تدور حول فلك إحدى القوتين العالميتين، فإذا انفلت النظام من دائرة النفوذ السياسي لأمريكا، فلكي يرتمي في أحضان النفوذ الشيوعي. وإذا تخلّص نظام من فلك الشيوعية، فلكي يرتمي في أحضان النفوذ الأمريكي، أو يتراوح بينهما، أو يلعب على الحبلين جميعاً.
ولأوّل مرة تستطيع الثورة الإسلامية أن ترفع في وجه القوتين الكبريين شعار (لا شرقية ولا غربية)، وتمارس العمل السياسي بموجب هذا الشعار، وتتخلص من دوائر النفوذ الأجنبية بصورة حقيقية، وسوف يكون الجيل القادم أكثر قدرة على تقييم هذه الخطوة الجبّارة في الثورة الإسلامية، وتقييم هذا الركن المهم من أركان خط الإمام.
ولقد كانت عوامل غريبة ـ استطاعت أن تدسّ نفسها لفترة ما في خط هذه الثورة ـ كانت تحرص كل الحرص وتحاول أن تسرّب المفاهيم الغربية والشرقية، بصورة أو بأخرى، في صلب الثورة، وتحاول أن تسوّغ ذلك بمختلف التبريرات، ولكنّ وعي الإمام وصموده، ووعي الأمة وصمودها، أفشل كل هذه المحاولات، واستطاع خط الإمام أن يجتاز هذه المرحلة، محافظاً على نقاوته وأصالته وصفائه الفكري، الذي هو كل قيمته، والثمن الحقيقي لدماء الشهداء.
5. الحالة الاقتحامية
حالة التصدي للمعتدي، والمبادرة، والاقتحام، من خصائص الثورة. والثورة إذا تخلّت عن حالة التصدي والمبادرة واقتحام مراكز نفوذ القوى الاستكبارية، لن تستطيع أن تواصل حياتها الثورية، وستتولى القوى الاستكبارية دور المبادرة في ضربها وسحقها. ولذلك، لابد أن تكون الثورة حاسمة في مسألة التصدي للعدو، وتتولى دائماً دور المبادرة، ويكون لها إقدام وشجاعة في الإقدام في هذا المجال، وتعتمد على الله تعالى في المبادرة والاقتحام.
ومن دون هذه الروحية الثورية، لا تستطيع الثورة أن تؤدي دورها الثوري، في المجتمع وفي التاريخ.
وقد كان خط الإمام، خلال هذه الفترة يمتاز بمثل هذه الشجاعة والجرأة، في التصدي والإقدام واقتحام مراكز نفوذ الطاغوت وقوى الاستكبار العالمي، وما يستلزم ذلك من رؤية واضحة في المسائل الثورية والحسم والشجاعة العملية، وقبل ذلك كله الاتكال على الله تعالى.
وكان الإمام قائد الثورة يتّصف بهذه المواصفات، ويعمل بهذه الروحية الثورية الإسلامية، في مراحل الثورة وحتى بعد قيام الدولة. وبهذا النَّفَس، استطاع الإمام أن يواصل العمل في الثورة الإسلامية المباركة.
وقد كان في بعض مراحل العمل يَشعر بعض كبار المسؤولين الذين كانوا يتولون مناصب رئيسة في الدولة الإسلامية بالضعف والتردد والميل للركون إلى العافية.. لولا مواقف الإمام الصامدة.
وأوضح مثل على ذلك اقتحام السفارة الأمريكية، فلولا الإمام وموقفه الصامد القوي، لكاد بعض المسؤولين في الدولة الإسلامية في الحكومة المؤقتة أن يخذلوا الشباب الطلبة السائرين على خط الإمام عندما احتلوا السفارة الأمريكية وألقوا القبض على الموظفين الجواسيس في السفارة الأمريكية كرهائن؛ لإرجاع الشاه من أمريكا لإيران؛ لمحاكمته وإعدامه واسترجاع أموال المسلمين منه إلى بيت المال.
وكانت الرؤية السياسية للمعارضين لهذا العمل الذي قام به الطلبة في طهران، أنّ الدولة الإسلامية وهي تعيش أيامها الأولى وأدوار نشأتها الأولى، لا ينبغي أن تتعرض للتحرش بقوة عالمية كبرى مثل أمريكا وتثيرها للكيد بها وتعلن الحرب معها، وإنما يجب على الثورة أن تتلافى الاصطدام بالقوى الكبرى قدر الإمكان، وتحاول أن تعيش بمنأى عن الصراعات السياسية والعسكرية، ريثما تبني نفسها وتقف على قدميها.
وهذا هو التوجه السياسي المقبول للموقف المتخاذل من بعض المسؤولين في الدولة الإسلامية من الذين وقفوا يومذاك موقفاً سلبياً تجاه قضية رهائن السفارة الأمريكية…
ولقد كان موقف الإمام ورأيه واضحاً، في دعم وتأييد الطلبة السائرين على خط الإمام، الذين احتلوا السفارة الأمريكية: إن أمريكا لا تكف عن عدوانها تجاه الجمهورية الإسلامية، ولا تفكر في يوم من الأيام، تعيش مع الجمهورية الإسلامية بسلام، وفي كل يوم تضع أمريكا خطة جديدة لإسقاط النظام الإسلامي الحاكم في إيران، وفي كل يوم تضع كيداً جديداً لتطويق هذه الدولة الإسلامية، ومصادرة الثورة الإسلامية، والسفارة الأمريكية ليست إلا وكراً نشطاً عاملاً للتجسس الأمريكي في داخل الجمهورية الإسلامية، وقد أثبتت الأرقام والشواهد بعد ذلك هذه الحقيقة، إذن فلم لا نكون نحن المبادرين بالاقتحام والاحتلال، توجيه الضربة وفضح المؤامرات الأمريكية، وفضحها وإسقاط هيبتها السياسية في المنطقة، وكسر شوكتها…
وبهذا المنطق، كان الإمام يؤكد للطلبة في احتلالهم للسفارة الأمريكية، وبهذه الروح تقدم مجموعة من الطلبة المسلمين ليوجهوا صفعة إلى الشيطان الأكبر دوخت أمريكا، وأسقطت هيبتها في المنطقة.
6. الربانية والأخلاقية في خط الإمام
ومن أركان هذا الخط وميزاته وخصائصه «الربانية» والارتباط بالله سبحانه وتعالى، ارتباطاً وثيقاً قائماً على أساس العبودية الحقيقية لله تعالى، والإخلاص له، والاتكال عليه تعالى، في كل الحالات. وهذا هو قوام الخط وأساسه الأول، ومن دونه لا يبقى لهذا الخط شكل ولا محتوى.
والتركيز على هذا الجانب هو المهمة الأولى لكل الأنبياء والأئمة (ع) والدعاة إلى الله تعالى، فإنّ الدعوة إلى الله، وتوحيده بالعبودية هو الحجر الأساس في رسالة الأنبياء <وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ>[2].
وحركتنا ليست حركة سياسية تستهدف إسقاط الأنظمة الطاغوتية فقط، وإنما تتحرك لتعبيد الإنسان لله تعالى، وربطه بالله عز وجل، وتخليصه لعبودية الله سبحانه، بعد إسقاط الطاغوت.
وقد رافقت الثورةَ الإسلامية منذ أيامها الأولى بتوجيه وتأكيد من الإمام مباشرة، موجةٌ من التربية الربانية، والدعوة إلى الله والتوجيه إليه عز وجل، بالدعاء، والصلاة، والتضرع، وتبنّي دراسة القرآن.
والذي يتتبع مكاسب الثورة الإسلامية يتملكه الإعجاب بما حققته الثورة خلال هذه الفترة القصيرة، من توجيه الشبان إلى الله تعالى. ولربما نستطيع أن نعتبر مجالس «دعاء كميل» في ليالي الجمعة واجتماعات صلاة الجمعة من أعظم مكاسب الثورة، وهذه المجالس العامرة بالدعاء والتضرع هي المدارس التي تبني الجيل لمواجهة الاستكبار العالمي بعزم وثبات واطمئنان.. بالإضافة إلى البناء الروحي الذي يتلقاه شباننا على جبهات القتال، العامرة بالدعاء والصلاة والتضرع والبكاء بين يدي الله تعالى.
والذي يتتبع كلمات الإمام يجد حرصاً بالغاً واهتماماً كبيراً بخصوص مسألة تهذيب النفس ومخالفة الهوى.
ولا شك أنّ هذه المسألة تأتي بعد «الربانية» مباشرة في سُلّم اهتمامات الأنبياء؟عهم؟ ورسالتهم.
7. تبنّي قضايا المستضعفين والمحرومين في الأرض
ومن خصائص خط الإمام، التبنّي المستمر لقضايا المستضعفين في العالم الإسلامي بشكل جاد، والدفاع عن مواقعهم وقضاياهم بكل الوسائل الممكنة.
فإنّ مهمّة هذه الثورة تحرير الإنسان على وجه الأرض. وحيث يتواجد إنسان مستضعف أو محروم يعيش تحت أمر الجاهلية وأثقالها، فإنّ على الثورة أن تتولى قضيته، وأن تجعل هذه القضية في صلب اهتمامها. ولذلك، نجد أنّ الثورة أعلنت عن مواقفها السياسية تجاه قضايا المستضعفين والمحرومين، وقضايا العدوان على العالم الإسلامي وعلى المستضعفين من أول يوم، بوضوح كافٍ.
فتبنّت القضية الفلسطينية بحماس منقطع النظير، وتبنّت القضية العراقية، والقضية الأفغانية، وقضية المجاهدين في مصر، وقضية الصحراء المغربية، والمسلمين في الفلبين، والحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية، وغير ذلك من قضايا العدوان على العالم الإسلامي وشؤون المستضعفين والمحرومين.
وإذا تخلت الثورة، لا سمح الله، في يوم من الأيام، عن مسؤوليتها تجاه قضايا العدوان على العالم الإسلامي وشؤون المحرومين، فإنها تتخلى عن مهمتها ورسالتها السياسية والجهادية الأولى وعن مبرر وجودها.
تلك باختصار أهم ملامح وأركان وخصائص خط الإمام. وللبحث عن مفردات هذا الخط مجال آخر وحديث آخر نرجو أن يوفقنا الله تعالى له.
مكاسب الخط
1. الوعي الجماهيري
قيمة هذا الخط ـ كما ذكرنا ـ ليس فقط في محتواه الفكري والسياسي والجهادي، وإنما في انبثاقه عن عمق الوجدان الشعبي، ومن داخل آلام الأمة، وآمالها، وعذاباتها، وتضحياتها، وطموحاتها، وحضاراتها، ورسالتها.
ولهذا السبب، بالذات، فقد تبنّى جمهور الشارع الإسلامي خط الإمام بوعي وبصيرة، وبكامل أبعاده الفكرية، والسياسية، والجهادية، ونزل الخط وما يستتبعه من وعي ورؤية سياسية إلى الشارع.
والوعي السياسي، في الغالب، يخص طبقة ممتازة في المجتمع هي «النُّخبة الواعية»، ويبقى له تأثيره وتحريكه في داخل الأمة، وذلك بفعل «النُّخبة». فإذا انتقل الوعي من هذه الطبقة إلى الشارع، ونزل «الوعي والخط السياسي» إلى الشارع بكل أبعاده وحدوده، من غير عِوج ولا انحراف… تحوّل الخط والوعي إلى قوة محركة هائلة وقدرة سياسية كبيرة. وقلما يكون ذلك.
والذي حدث في الثورة الإسلامية المباركة، أنّ هذا الوعي السياسي نزل ضمن خط الإمام إلى مستوى الجمهور، وتبنّت الأمة خط الإمام بوعي وبصيرة، وبكامل أبعاده، وبكل اصالته. فأصبح ابن الشارع يفهم شعار «لا شرقية ولا غربية» فَهْماً سياسياً واضحاً، ويعرف عن خبرة وبصيرة خطر وضرر الارتماء في أحضان الشرق والغرب، ويدرك قيمة الاستقلال الفكري والسياسي، «ودور الجهاد والتضحية في تحرير الأمة»، وقيمة «التصدي للطاغوت»، ومعنى «ولاية الفقيه».
وهذه المعرفة الواعية والرؤية الصافية لمسألة الخط، كانت لها آثار إيجابية كبيرة في نجاح الثورة وتقدّمها، وفشل المحاولات المعادية للثورة.
فقد تبنّت الأمة الدفاع عن الثورة التي آمنت بها وبخطها، وتحملت ضريبة هذا الدفاع بصدق، ولم تنسحب من موقع تقدمت إليه مهما كانت الضريبة ثقيلة، ودفعت ضريبة الخط براحة وانشراح ورضاء، وشمل هذا المستوى العالي من الوعي كل طبقات الأمة.
وما أكثر ما تجد في خضمّ الثورة أُمّاً قروية، تعيش في الريف، تستقبل جنازة ابنها الشهيد بزغردة الأمهات اللاتي يزففن أبناءهنّ إلى خِدر أعراسهم، وتُدخل جنازة ابنها بيديها إلى داخل قبره، وتطبع على خدّه قُبلة الوداع بكل سرور ورضى، وكأنها تودّعه إلى رحلة قريبة أو سفر يسير، ثم تقدّم الحلوى على قبر ابنها، وتُعدّ نفسها لاستقبال التهاني، كما تتقبّل الأمهات التهاني عندما يقدّمن أولادهن إلى أعراسهم، ويستنكرن، بصدق وجدّ، من يقدّم إليهنّ العزاء.
إنّ الأمة المسلمة هنا تعمل كل ذلك براحة ورضى وانشراح ولا تحسب أنها عملت شيئاً.
ولا ينبثق هذا العمل الجبار عن عاطفة تجاه الثورة، فلقد رأينا العواطف وتأثيرها ودورها كثيراً، وليس بمقدور العاطفة أن تصنع مثل هذه المعجزات في حياة الإنسان.. وإنما هو وعي وبصيرة وثقة وإيمان ووضوح ما بعده وعي وبصيرة و… استقر في قلب هذه المرأة البسيطة الساذجة، وجعل منها أسطورة في التضحية ومعجزة في الشجاعة ونسيان الذات.
وكذلك يفعل الإيمان عندما يستقر في القلوب الواعية.
هذا الوعي للخط، وعلى مستوى الشارع والريف، هو ـ بالتأكيد ـ من أهم أسباب وقوف الأمة إلى جانب الثورة وحمايتها والدفاع عنها.
فلم يقف اندفاع الأمة، ولم يبرد حماسها في التضحية والجهاد والعمل عند سقوط الشاه، وإنما استمر هذا الحماس والاندفاع، وتصاعد في خط صاعد ما بعد الثورة اجتاز بدرجات عالية من القوة والفاعلية كل العقوبات، واحدة تلو الأخرى.
وهنا تبرز قيمة «الخط» في الثورة، فإنّ الكثير من الثورات الشعبية التي أدت مهمتها في إسقاط النظام آل أمرها إلى الضعف والبرود والانحراف والتميّع.
وليس لنا مَثَل أوضح من الثورة الفرنسية «1789م». فقد كانت هذه الثورة ثورة نابعة من عمق وجدان الشعب حقيقة، ولكنّ هذه الثورة سرعان ما آل أمرها إلى الانحراف، وحلّت دكتاتورية جديدة محل الدكتاتورية السابقة، وطبقة منتفعة محل الطبقة المنعمة سابقاً، وتولّى بونابرت الحكم في فرنسا بأطماع توسعية عسكرية، وأفسد في الأرض، وأوغل في الفساد. والسبب في ذلك ـ في بعض الحدود ـ أنّ هذه الثورات لا يرافقها خط سياسي سليم يستوعب الشعب ويملكه، وإنما يمتلك الشعبُ في الاندفاع لإسقاط النظام والتضحية عاطفةً ثورية وشعوراً بالحرمان والظلم من دون وعي وخط سياسي مفهوم ومقبول.
وأمَدُ هذه العاطفة ومفعولها محدود بسقوط النظام، فإذا سقط النظام الحاكم، خمد الحماس، وامتصّ سقوط النظام كل النقمة والعاطفة، وانعزلت الثورة عن الشعب والشعب عن الثورة، فيسهل عند ذلك على المنتفعين – وهم كثيرون – تحريف الثورة لخدمة مصالحهم وأطماعهم.
أما الثورة الإسلامية، فكان لها شأن آخر، وهذا الشأن هو من نتائج وآثار وجود «خط الإمام» داخل الثورة وفي وجدان الأمة ووعيها.
فلم تكن العاطفة الناقمة والغاضبة هي التي أهاجت الناس في إيران وأنزلتهم إلى الشارع وحركتهم باتجاه إسقاط النظام، وإنما كان هناك وعي سياسي إسلامي سليم، ورؤية سياسية وخط سياسي تصدر عنه العاطفة وهذا الوعي والخط، هو الذي حفظ الناس في جانب الثورة، وأبقاهم في خط الدفاع الأول عنها منذ انفجارها إلى اليوم، وإلى أن يستقر حكم الله على وجه الأرض كافة بقيادة الإمام المهدي عجل الله فرجه إن شاء الله.
فقد كانت الأمة تشعر من خلال إيمانها بالخط أنّ لها قضية، وقضيتها لم تنته بإسقاط النظام، وبقي ابن الشارع يشعر بعمق مسؤوليته في حماية الثورة من كل دعاة التحريف وأصحاب المطامع السياسية والانتهازيين طيلة هذه الفترة، وكان هذا الشعور الواعي والصادق يتطلب منه الحضور الدائم والواعي في الساحة السياسية، والمراقبة الواعية بعينين نافذتين لكل ما يجري في الساحة.
2. إحباط المؤامرات وفرز الخطوط
وهذا الحضور والمراقبة الواعية، كان من أهم الأسباب في فشل المؤامرات الداخلية والخارجية، التي كان يحيكها أعداء الثورة الإسلامية، لتطويقها ومصادرتها وإسقاطها.
وكان من أهم الأسباب في فرز الخطوط ـ إذا كان هناك خط سياسي آخر ـ وعزل الخطوط الأخرى وأصحاب المطامع والانتهازيين عن صلب الثورة، وحصرهم في الزاوية، ثم إسقاطهم، بإذن الله.
ورغم أنّ أمريكا قد حاولت المستحيل في الكيد بالثورة، وخططت لمؤامرات ذكية، واستعملت في ذلك كل قدرتها ونفوذها وسلطانها المالي والسياسي والعسكري، ولم تألُ جهداً في ذلك… إلا أنّ الحضور الواعي والمراقبة الواعية للأمة في الساحة السياسية، أحبطا كل هذه المحاولات وأفشلاها.
ولا شك أنّ هذا الحضور الواعي والمراقبة الواعية في الساحة حصيلة إيمان الأمة وتبنّيها العميق لخط الإمام والتحامها به.
3. صناعة الموقف
والخط هو الذي يصنع الموقف، وكذلك في الثورة الإسلامية. فقد كان وضوح الخط، والتزام الخط، من قبل جماهير المؤمنين، مصدراً لكثير من المواقف السياسية الصلبة.
فلكل ثورة ولكل حركة شعاراتها، ولكن عندما تقترن الثورة والحركة بخط ثوري، حركي، واضح، مفهوم، وملتزم من قبل الأمة، تتحول هذه الشعارات إلى مواقف.
ولقد حدث مثل هذا في الثورة الإسلامية، فارتفعت خلال الثورة مجموعة من الشعارات الثورية والجهادية، وتحولت خلال الثورة هذه الشعارات، بفضل إيمان الأمة والتزامها بخط الأمام، إلى مواقف سياسية وجهادية رائعة وبطولية.
نذكر منها الموقف من الدعاة إلى التسامح السياسي مع الدول الاستكبارية والتنازل عن المواقف السياسية المبدئية.
وقد رفعت الأمة أمام الدعوة إلى هذه التنازلات في مسيرة تشييع الشهيد الدكتور بهشتي شعار: «نقاتل ونموت، ولا نتنازل». ورفعت الأمة أيضاً تجاه الدعوة إلى السلام مع النظام العراقي وإيقاف الحرب شعار: «حرباً، حرباً، حتى النصر»..
ومن العجب؛ أنّ الأمة وقفت عند شعاراتها وقفة صامدة، وحوّلت هذه الشعارات إلى مواقف سياسية صلبة، ووقفت عند هذه المواقف، ودفعت ضريبة الموقف، وليس من شك أنّ قيمة العمل السياسي بالموقف، وليس بالشعار، وما لم يتحول الشعار إلى موقف لا تستطيع الثورة أن تحقق أهدافها.
ووجود خط سياسي سليم وواضح، والتزام هذا الخط من قبل الأمة، من أقوى العوامل في صناعة المواقف السياسية.
خط الإمام والانتهازية السياسيّة
ولا بد لنا في هذه العجالة أن نشير إلى مقارنة سياسية بين خط الإمام والخطوط السياسية الأخرى التي كانت تنافس خط الإمام على قيادة الساحة واستيعابها، ـ إن صحت تسميتها بالخطوط ـ ولا نريد بهذه المقارنة الناحية الفكرية والمحتوى الفكري، وإنما نريد بالمقارنة الموقف السياسي المبدئي فقط، بغض النظر عن محتوى هذه المواقف والمبادئ. فنقول:
من الصعب أن نصحح تسمية الخطوط السياسية ـ اليمينية واليسارية ـ المنافسة لخط الإمام، بخطوط سياسية تملك مواقف مبدئية محددة.
فقد كانت هذه الخطوط – في الغالب – تشكّل اتجاهاً انتهازياً مقنّعاً بقناع سياسي ومبدئي، ومتبنَّى من قبل أفراد وجهات تملكهم مطامع سياسية أكثر من أيّ شيء آخر.
ولربما نستطيع أن نقول: إنّ أوضح وأقوى هذه الخطوط هو الحزب الشيوعي الإيراني «تودة»، الذي كان يملك تاريخاً طويلاً في العمل السياسي، وحاول هذا الحزب الشيوعي أن يكيّف نفسه مع خط الإمام، في شطر من عمر الثورة.
ولا شك أن هذا الحزب وجد حرجاً كبيراً في هذه المحاولة، فقد كان ينادي قبل ذلك بأنّ الدين أفيون الشعوب، ويرفع هذا الشعار بوجه الدين، ومن الصعب مع ذلك أن يكيّف نفسه اليوم مع خطٍّ سياسي إسلامي قائم على أساس الدين، ويعترف بالقيادة الدينية الإسلامية في الساحة السياسية.
فالحزب الشيوعي، من الناحية الأيديولوجية، يقوم على أساسٍ إلحادي رافض فكرة الإيمان بالله. ومن الصعب، مع هذا التصور، أن ينسجم الحزب مع خط سياسي يعتمد الإيمان بالله تعالى مبدأً وأساساً لكل عمل وحركة. وكان بين الحزب الشيوعي والأوساط الإسلامية صراع وخلاف فكري قديم، وحواجز نفسية وفكرية واجتماعية، ومن الصعب مع ذلك اجتياز هذه الحواجز وتناسي الخلافات والانسجام السياسي مع خط تتبناه القيادة الإسلامية.
ومع ذلك، فقد وجد الحزب الشيوعي الإيراني نفسه بين خيارين: إما العزلة الكاملة عن السياسة وعن الأمة، وإما الانسجام مع خط الإمام. فآثر الحزب الخيار الثاني.
ولكن؛ هل كان الحزب الشيوعي مبدئياً في هذا الموقف؟
بالتأكيد لا، كما لم يكن الحزب مبدئياً في مواقفه السياسية السابقة، فقد وقع كبار الشيوعيين الماركسيين في أحضان النظام المَلَكي عندما طال بهم الأمد، كما حدث ذلك في العراق، وتناسى الحزب مواقفه المبدئية ضد النظام المَلَكي.
والذي حدث في الثورة الإسلامية أنّ الحزب الشيوعي تخلّف عن الشعار والموقف الذي التزم به تجاه خط الإمام، فكان الحزب يعلن الانسجام مع خط «لا شرقية ولا غربية»، وفي الخفاء يقيم أقوى العلاقات التجسسية وأحطّها مع الاتحاد السوفيتي، ويتجسس على مرافق وأعمال الجمهورية الإسلامية لصالح الاتحاد السوفيتي، كما اعترف بذلك أقطاب الحزب الشيوعي الذين «ألقي عليهم القبض بالجرم المشهود».
إذاً؛ لم يكن الحزب الشيوعي يملك مواقف مبدئية سياسية في دور النظام الملكي، وبعد ذلك في عهد الثورة والدولة الإسلامية، وإنما كان الحزب يتخذ من خط الإمام قناعاً سياسياً، يغطي به مآربه ومطامعه الحقيقية للوصول إلى الحكم.
وما يقال عن الحزب الشيوعي، يقال عن كثير من الأحزاب والخطوط اليمينية، واليسارية، والقومية، والوطنية، والإسلامية ـ الماركسية الأخرى.
فقد كانت هذه الخطوط في الغالب تمثّل نحواً من الوصولية والانتهازية السياسية؛ ولذلك سرعان ما كشف خط الإمام والمبدئية السياسية الصارمة في خط الإمام الأوراق السياسية لهذه الخطوط غالباً، وعزَلَها عن الساحة والجمهور.
ومن العجب؛ أنّ خط الإمام لم يتزحزح عن مواقعه ومواضعه السياسية قبل الحكم وبعد الحكم، والذي يتتبع المواقف السياسية لخط الإمام بعد الحكم، لا يجد تغييرات في مواقع ومواقف خط الإمام طوال هذه الفترة.
ومن الملحوظ أنّ الخطوط الثورية تتخلى عن كثير من مواقفها السياسية بعد الوصول إلى الحكم، فيتحول النظام الثوري، بعد الوصول إلى الحكم، إلى ثورة ودولة، ولكلٍّ منهما مصالحه وحدوده، فإذا كانت الثورة لها متطلبات سياسية مبدئية صارمة، فإنّ للدولة أيضاً حاجاتها ومتطلباتها، وهي من نوع آخر تتطلب ليناً وتكيُّفاً وانسجاماً مع الواقع تتطلبها مصالح الدولة.
إنّ الذي حصل في الغالب، في الأنظمة الثورية الحاكمة، شيء يشبه هذا الأمر. ونحن لا نشك في أنّ للدولة مصالحها ومتطلباتها التي قد تختلف نوعاً ما عن مصالح الثورة ومتطلباتها، ولكنّنا نعتقد أنّ هذه القاعدة اتُّخذت من قبل كثير من الأنظمة الثورية واليسارية جسراً للانتهازية السياسية، ومن حقنا أن نضع علامة الاستفهام أمام كثير من التصرفات السياسية للأحزاب والفئات والدول الثورية واليسارية؛ كالاتحاد السوفيتي والصين، ولا نستثني بعض المنظمات الفلسطينية التي انسجمت مع قرارات مؤتمر فاس وتخلّت عن مواقعها السياسية.
إنّ الميزة البارزة لخط الإمام الثبات السياسي الصامد على مواقفه المبدئية تجاه كل القضايا السياسية، فلم يحدث مثلاً تغيير في موقف الثورة بعد الحكم تجاه القضية الفلسطينية، أو تجاه رفض الانتماء إلى الشرق أو الغرب.
وهذه من خصائص خط الإمام البارزة. وإذا وضعنا هذه الخصيصة السياسية بإزاء المواقف الانتهازية لكثير من الأحزاب والفئات والدول الثورية، نعرف عمق مبدئية خط الإمام والسائرين على هَدْيه.
4. تصدير خط الإمام
مسألة التصدير بالنسبة إلى الثورة وخط الإمام مسألة أساسية ومصيرية، فإنّ حياة الثورة بنموّها، ونموّها بتصديرها، وإذا توقف تصدير الثورة، توقف نموها، وتوقُّف النمو بالنسبة إلى الثورة يعني الموت.
فإذاً؛ التصدير للثورة بحكم التنفس للكائن الحي إذا انقطع عنه مات.
وليس معنى تصدير الثورة الغزو والاحتلال العسكري كما يقول أعداء الثورة، وإنما نعني بتصدير الثورة تصدير خطها، وتبليغ خط الإمام وتوعية المسلمين المستضعفين والمحرومين بهذا الخط.
قيمة الخط في حياة الناس
قلنا إنّ خط الإمام لا يزيد على أن يكون تسمية جديدة في حياتنا السياسية المعاصرة، وإلا فإنّ مسألة الخط قديمة اسماً ومحتوى.
فمن ناحية المحتوى، يأتي خط الإمام امتداداً لدعوة الأنبياء (ع) ورسالاتهم وطريقتهم، ودعوة أئمة المسلمين والمجاهدين والصدّيقين والعاملين، على امتداد التاريخ.
وخط الإمام يشكّل الامتداد الطبيعي لهذا الخط العريق العميق في التاريخ.
فمن ناحية الاسم، فإنّ القرآن الكريم يعبّر عن الخط الرباني في حياة الإنسان بـ «الصراط المستقيم»، ويعطي الإسلام لمسألة الصراط المستقيم في حياة الإنسان أهمية فوق العادة.
ويكفي للتدليل على هذه الحقيقة أن نقول: إنّ الدعاء الوحيد الذي يجب على الإنسان أن يكرره في اليوم عشر مرات في صلاته هو <ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ>[3]. ولا أعرف الآن دعاء آخر يجب على الإنسان أن يدعو به بصورة يومية رتيبة غير هذا الدعاء، عدا الصلاة على محمد وآل محمد.
ويقارن القرآن الكريم بين أولئك الذين يعيشون على غير هدى وبصيرة، في متاهات الحياة، وبين الذين يسيرون على هدى وبصيرة على الصراط المستقيم، فيقول:
<أَفَمَن يَمۡشِی مُكِبًّا عَلَیٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَیٰٓ أَمَّن يَمۡشِی سَوِيًّا عَلَیٰ صِرَٰطٍ مُّسۡتَقِيمٍ>[4].
وواضح أنّ الذي يمشي مكبّاً على وجهه ومطرقاً برأسه إلى الأرض، تكثر العثرات في سيره ولا يستطيع أن يعرف الطريق. وهذه هي حالة العمى والإعراض والغفلة في الإنسان.
أمّا من يمشي بقامة سوية على الصراط المستقيم، فلا يعثر ولايتيه.
وفي سورة هود: <مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ>[5].
وكيف يستوي «الأعمى والأصم» و«البصير والسميع»؟!
إنّ الأول لا يكاد يميّز شيئاً مما حوله، والثاني يكاد يمتلئ وعياً وبصيرة وفهماً وإدراكاً لما حوله.
والأول هو الذي يعمل من غير هدى على غير صراط مستقيم، والثاني هو الذي يسير على هدى وبصيرة من دينه وعلى صراط مستقيم.
ليس من المهم أن يعمل الإنسان أو يتحرك فقط، وإنما المهم أن تكون حركته على الصراط المستقيم، وإنّ القليل من العمل على هدى ووعي واستقامة، خير من كثير لا يستقيم على الصراط المستقيم.
إنّ هاجس العمل يكاد يمتلك الكثير من العاملين، وهو حق وصحيح، ولكنّ مسألة تبنّي الخط والتأكُّد من أنّ الإنسان يضع خطاه على الصراط المستقيم، تأتي قبل العمل والحركة.
فما أكثر الأعمال والتحركات التي جرّت أصحابها إلى عذاب الله، واستدرجت القائمين بها إلى أسفل درك من الجحيم!
سمع أمير المؤمنين (ع) رجلاً من الحرورية يتهجّد ويقرأ، فقال (ع): «نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَك»[6].
لذا، نجد أنّ الإسلام يعطي هذا الدور الكبير والقيمة الفائقة لمسألة «الصراط المستقيم»؛ حتى يوجب الدعاء ويوجب تكراره مرات عديدة في اليوم – دون غيره من الأدعية رغم أهميتها – للاهتداء إليه.
فقد يعمل الإنسان بجد وبحرارة وحماس، وبصورة متواصلة، ولكن لا يزيد عمله إلا بعداً عن الله تعالى؛ وذلك أنه يعمل بعكس الصراط، فكلما يتحرك أكثر يزيد بعداً عن الله عز وجل..
وليس مثل «منظمة مجاهدي الشعب» عنّا ببعيد، الذين قضوا أشطراً من حياتهم السياسية يحاربون الشاه، ويتحملون ألوان العذاب والمطاردات والسجون من قبل السافاك، ثم آل أمرهم إلى أن حملوا السلاح بوجه الثورة الإسلامية ورجالها وقادتها، وتحولوا إلى معول للهدم.
ولذلك، ينبغي للعاملين أن لا يغرّهم عملهم، وأن يتأكدوا في كل لحظة أنهم يضعون خطاهم على الصراط المستقيم، ولا يخرجوا عن صراط الله إلى متاهات الهوى والشيطان.
وكلما يكون موقع الإنسان العامل أكثر حساسية وعمله أكبر، يكون تعرضه للانزلاق واستهداف الشيطان أكثر، وعليه أن يبذل جهداً أكثر في طلب البصيرة والوعي والفقه في الدين.
فقد كان الإمام علي بن الحسين (ع) يطيل القعود بعد المغرب، ويسأل الله اليقين[7]، فإنّ الله تعالى لا يرزق أحداً رزقاً أجلّ من نعمة اليقين والبصيرة، على أنّ نِعَمَ الله تعالى كلها جليلة.
وعَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ؟ع؟، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ، وَالتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، وَالْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، وَمَا قُسِمَ فِي النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ»[8].
واليقين والبصيرة والوعي.. كل ذلك يتعلق بخط تحرك الإنسان قبل أيّ شيء آخر.
ولهذا كله، تأتي قيمة اليقين بالخط والوعي والبصيرة والفقه، في حياة المؤمنين العاملين، في الدرجة الأولى من قضايانا، وتأتي المسائل الأخرى بعد ذلك.
أشكال الارتباط بالخط
إنّ مسألة الارتباط والانشداد إلى الخط والصراط المستقيم مسألة في غاية الأهمية، فإنّ شخصية الأمة وسلامتها واستقامتها وصلابة مواقفها؛ كل ذلك مرتبط بالتزامها بصراط الله المستقيم، فلا بد إذن من الاهتمام بتعميق الصلة بين الأمة والخط «الصراط المستقيم».
والارتباط بالخط، يكون على شكلين: الارتباط العاطفي، والارتباط الواعي العقلاني.
وكلاهما مهم، في إعداد وتربية الإنسان المؤمن.
1. الارتباط العاطفي
الارتباط العاطفي، هو انشداد المؤمن إلى الصراط المستقيم، من خلال الأجواء العاطفية، التي تشدّه إلى خط الأنبياء والأئمة (ع) وصراط الصالحين من عباد الله والمجاهدين العاملين.
وهذه الأجواء لا شك أنها ذات آثار إيجابية في بناء شخصية الإنسان المؤمن والتحاقه بالخط.
عوامل الارتباط العاطفي
إنّ الاحتفالات بمناسبات أهل البيت (ع) والمناسبات الإسلامية التي تخص شخصيات إسلامية، من العوامل الإيجابية المفيدة في انشداد الإنسان المؤمن إلى هذه القافلة المباركة من العاملين في سبيل الله السائرين على صراط الله المستقيم.
وكذلك زيارات مراقد أهل البيت والأنبياء (ع) والأولياء والعلماء والمجاهدين، من العوامل المهمّة في الانشداد إلى هذا الخط والصراط العميق في التاريخ، الذي تنتظم عليه كل خطى العاملين المخلصين والأتقياء الأبرار.
وفي مقدمة هذه العوامل، إقامة مجالس عزاء الحسين (ع)، فإنّ هذه المجالس وما يجري فيها من ذكر مأساة الطّفّ على الطريقة الشعبية المألوفة، ذاتُ تأثير كبير في انشداد المؤمنين إلى طريق الحسين وصراطه وخطه، وقلّما نجد عاملاً تربوياً آخر يعوّض عن هذا العامل ويحلّ محله.
ونحن العاملون مدينون بالكثير لهذه المجالس في سلامة أمتنا وسلامة خطّنا خلال هذه الفترة الصعبة التي غزتنا فيها الحضارة الغربية، واقتحمت بيوتنا ومدارسنا ودوائر أعمالنا واجتماعاتنا. فكانت مجالس الحسين (ع) هي إحدى أهم وأقوى الحصون التي حصّنت الأمة وخطّها خلال هذه الفترة من غزو الحضارة الغربية، عندما تهاوى أمام هذا الغزو الكثير من المعاقل والحصون.
فهذه الأجواء الإسلامية: من الاحتفالات، والزيارات، ومجالس العزاء، وقراءة النصوص الواردة في الزيارة، وكذلك زيارة العلماء والمجاهدين الأحباء والاحتفاء بهم، وهكذا المسيرات والتظاهرات… كل ذلك عوامل إيجابية فعّالة ذات تأثير عاطفي كبير في التحام الإنسان المؤمن بخطه وصراطه المستقيم وسلفه الصالح، وتحسيسه أنه عضو في هذه الأسرة المباركة؛ أسرة الأنبياء والمرسلين والأئمة وعباد الله الصالحين، وأنه خلَف لذلك السلف الصالح وامتداد لهم، يجري على خطهم، ويسعى على هداهم، وعليه أن يسعى لحماية هذا الخط وسلامته، وإلاّ ينحرف عن طريقهم وصراطهم، وأن يضع خطاه حيث كان يضع أولئك خطاهم على الصراط المستقيم، ويحافظ على ارتباطه بهم، ويسعى أن يكون امتداداً لهم.
إنّ السلفية المتطرفة في أفضل الحالات، وإذا أحسنّا الظن بها، لم تدرك قيمة وحقيقة ومغزى هذه الأجواء العاطفية وتأثيرها النفسي الكبير في انشداد الإنسان المسلم برسالته وسلَفه وأسرته الكبيرة.
على أننا نجد ما يبرر لنا سوء الظن ببعض رجال هذا المذهب في مكافحة هذه الأجواء الإسلامية الغنية والمباركة، ومحاربة زيارة المراقد، وإقامة الاحتفالات والمسيرات، بحجة أنها بدعة!!
ولا نستبعد أن يكون الهدف من ذلك كله هو قطع صلة الأمة بأبعادها وجذورها التاريخية، لتتحول هذه الأمة الكبيرة، ذات الجذور العميقة المباركة في التاريخ، إلى أمة مبتورة الجذور، مجتثّة من فوق الأرض…
العلاقة المطّردة بين العمل والعاطفة والإيمان
وهناك حقل خصب آخر من حقول الارتباط العاطفي بالخط، وهو حقل العمل والتضحية. فإنّ عمل الإنسان وجهاده وتضحيته في سبيل الله، وعلى الصراط المستقيم، يتحوّل بصورة مباشرة إلى إيمان بالخط، ووعي وبصيرة ويقين وثبات.
وكلّما ازداد عمل الإنسان وتحركه على الخط وارتفعت درجة تضحيته وتعبه على هذا الصراط، ازداد انشداداً والتحاماً بالخط وحباً له ويقيناً به، فتتحول الحركة إلى عاطفة حبّ، والعاطفة إلى يقين في العقل، وثبات في العمل.
ونحن نجد لهذا القانون نظائر كثيرة في حياة الإنسان، فالأمّ كلّما تبذل جهداً أكثر في تربية أبنائها، تزداد حباً لهم. وليس اختلاف درجة عاطفة الأم تجاه ابنها، من يوم ميلاده إلى يوم يشبّ، إلاّ نتيجة ارتفاع درجة البذل والعطاء والتضحية من الأم، فتتحول جهود الأم وتضحياتها إلى حبّ وعاطفة وتعلّق بأولادها يزداد بصورة مطردة.
وهذا القانون يجري بصورة أعمق، في صلة الإنسان بالخط، فكلما يزداد عمله وجهاده وتحركه وتضحيته، للدفاع عن الخط، يزداد إيماناً به وبصيرة وهدى، ويزداد تعلقاً به وثباتاً عليه، فيتحول هذا الجهد إلى عاطفة ويقين وثبات.
وهذه المعادلة القائمة، بين العمل والإيمان، من أكثر المعادلات تأثيراً في حياتنا اليومية.
ونحن نجد اليوم، في ساحة الثورة الإسلامية، شاهداً حياً على هذه الحقيقية، فقد استطاعت الثورة أن تنجب وتربي، خلال هذه الفترة القصيرة من عمرها، جيلاً من الشباب المراهقين والشابات المراهقات، من المؤمنين والمؤمنات، والمخلصين والمخلصات، والطائعين لله والطائعات، ممن رزقهم الله هدى وبصيرة وتقوى وإخلاصاً يندر وجودها في الأجيال السابقة.
وليس من شك أنّ الثورة الإسلامية لم تكن تملك القدرة التربوية الكافية لإعداء هذا الجيل بهذا المستوى الروحي والعقلي والإيماني الرفيع.
فأين نشأ هؤلاء إذن؟ ومَن الذي ربّاهم؟ وفي أيّ مدرسة تخرّجوا؟ وعلى يد من نشأوا؟ وكيف قطعوا هذه المراحل والأشواط البعيدة خلال هذه الفترة القصيرة وفي هذا السن المبكر؟
تلك أسئلة يقف أمامها الجيل الهابط، الذي لم يألف هذه القفزات الإيمانية الكبرى في حياة الإنسان، حائراً.
والجواب: إن المواجهة الحادّة لقوى الاستكبار العالمي وامتداداته في المنطقة والمنافقين وأعداء الثورة.. المواجهة لهؤلاء جميعاً، والعمل والتضحية الحقيقية، التي قام بأعبائها هذا الجيل الصامد المبارك، خلال هذه الفترة، بدموعه ودمائه وعرقه وجهده وسهره، هو الذي رفعه إلى هذا المستوى الرفيع من الإيمان والوعي والإخلاص والثبات، وهو الذي شدّهم بهذه الصورة المحكمة المصيرية بخط الإمام، وربط مسيرهم بمصير الثورة الإسلامية.
2. الارتباط الواعي
وإلى جانب الارتباط العاطفي بالخط، هناك نوع آخر من الارتباط، وهو الارتباط الواعي بالخط. ويتلخّص في فهم الخط وإدراكه بصورة واعية وعقلانية.
وهذا اللون من الارتباط يحتاج إلى عمل فكري تثقيفي، وجهد علمي، من قبل الدعاة العاملين في سبيل الله، لتقديم خط الثورة الإسلامية بصورة علمية ومقبولة إلى جيل الثورة، وكذلك العمل لإسقاط وإحباط الخطوط الفكرية والسياسية الأخرى ضمن جهود علمية.
وعلى العاملين في سبيل الله، أن يستفيدوا من كلّ الفُرض لتقديم هذا الغذاء العقلي إلى جيل الثورة، الذي تناط به مهمة المحافظة على خط الثورة الإسلامية وسلامتها ونقاوتها، وذلك كفرض المحاضرات والدروس والخطب والمجالس الحسينية ومنابر الوعظ والإرشاد، واستغلال أجهزة الإعلام بصورة واسعة لهذا الغرض.
على أنّنا نحبّ أن نقول: ليست الدراسة والعلم هو كل شيء في تحصيل البصيرة واليقين، فإنّ التقوى باب واسع من أبواب اليقين والمعرفة في حياة الإنسان، والإنسان الذي يتّقي الله تعالى ويضبط رغباته وأهواءه في حدود الله، ويحدد تصرفاته بحدود الله «الحلال والحرم»، يرزقه الله تعالى بصيرة وهدى ويقيناً ويثبّته على الحق. يقول تعالى: <وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ>[9].
يقول أمير المؤمنين (ع): «وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَم»[10].
وهذا قانون آخر في علاقة التقوى باليقين والإيمان، يحتاج إلى دراسة أوسع في غير هذا المجال.
معالم الخط ومصادره
1. معالم الخط
ولابد لكل خط وطريق من معالم يهتدي بها السائرون، ومن دون وجود معالم على الطريق لا يهتدي الإنسان إلى شيء.
فما هي المعالم على الخط «الصراط المستقيم»؟
إنّ القرآن يوضح هذه المعالم، بإيجاز، في سورة الفاتحة، وبعد الدعاء بـ <ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ>[11]، يأتي مباشرة إيضاح معالم هذا الصراط، وعلاماته وأدلته بقوله تعالى: <صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ>[12]، فإنّ السائرين على هذا الصراط والسالكين له هم العلامة المميَّزة التي تهدي إلى الصراط المستقيم. فإذا اختلط السبيل عليك، فاتّبع خطى الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء، والمرسلين، والأئمة، والفقهاء، والمجاهدين، وغيرهم من عباد الله الصالحين.
وعلامة هذا الصراط أن تجد عليه هذه النخبة الصالحة من عباد الله، وإنّ خير ما تطمئنّ به النفوس أن يجد الإنسان على هذا الصراط أمثال إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ورسول الله محمد (ص)، فتستقر نفس الإنسان وتطمئنّ، ويثق بسلام الخط والصراط.
ويضع الإنسان على كل طريق يسلكه «المغضوب عليهم والضالون» علامة استفهام وإنكار ويأخذ حذره منه.
وخلاصة الحديث:
إنّ خير علامة ومعلم للصراط، هو سالكه والعامل عليه.. وإذا التبست الخطوط على الإنسان، فلا يلتبس عليه الناس، ولا يصعب عليه أن يميّز دين إبراهيم (ع) والنمرود، وموسى (ع) وفرعون وجلاوزته، وعيسى (ع) وأعدائه من بني إسرائيل، ورسول الله (ص) وطغاة عصره، والإمام الخميني اليوم وأعدائه ومناوئيه، ولا يصعب على الإنسان أن يميّز بين من يعمل لله ومن يعمل لهواه، ومن يتّبع هدى الله تعالى ومن تملكه أهواؤه وشهواته.
2. مصادر الخط
ولا بد أن نقول كلمة أخيرة، في نهاية هذه الجولة السريعة عن خط الإمام، عن مصادر الخط.
إننا لا نشك أنّ معرفة المعالم وحدها لا تكتفي في الاستقامة على الصراط المستقيم، ولا بد بالإضافة إلى معرفة المعالم معرفة مصادر الخط. فإذا عرف الإنسان مصادر الخط، فلا يمكن أن يأخذ الخط من غير نبعه، مهما طال بعد الأمد.
إنّ أكثر الانحراف عن الصراط المستقيم، ينبع من الجهل بمصادر الخط، فإنّ الإنسان عندما يجهل المصادر الشرعية للخط، يأخذه من يد أيّ إنسان يعرضه عليه.
ولا شك أنّ رسول الله (ص) كان في حياته هو المصدر والملجأ والملاذ الذي يلوذ المسلمون به لمعرفة المستقيم من المعوجّ، والهدى من الضلال.
ولا نشك أنّ رسول الله (ص) لا يترك مثل هذه المسألة المهمة الحياتية في حياة المسلمين من غير إيضاح، وهو يعلم بما يحل بهذه الأمة من اختلاف كبير وواسع في الخط والطريق والصراط.
وعندما نرجع نحن إلى حديث رسول الله (ص)، نجد أنه (ص) يحدد مصادر الخط بصورة واضحة في أكثر من موقع في حياته المباركة، ولاسيما في أخريات أيامه؛ حيث كان يكرر (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»[13].
فعلينا – إذن – أن نطبّق مفردات الخط وأجزاءه دائماً بهذين المصدرين: «كتاب الله وحديث أهل البيت»؛ لنعرف بهما سلامة الخط واستقامته.
وعلينا أيضاً أن نتوفر على دراسة كتاب الله وحديث أهل البيت (ع)؛ لنستوحي منهما أصول العمل الصالح، وأصول الخط والتحرك، ففي كلام الله وحديث أهل البيت نور وهدى وسلامة واستقامة وبصيرة.
[1] الأحزاب: 6.
[2] فصلت: 33.
[3] الفاتحة: 6.
[4] الملك: 22.
[5] هود: 24.
[6] نهج البلاغة: 422. الحكمة: 93.
[7] انظر: المحاسن للبرقي 1: 248.
[8] الكافي للكليني 2: 51/2. باب فضل الإيمان على الإسلام.
[9] البقرة: 282.
[10] نهج البلاغة: 220. الخطبة: 182.
[11] الفاتحة: 6.
[12] الفاتحة: 7.
[13] وسائل الشيعة للحر العاملي 27: 33/9، الباب 5 من أبواب صفات القاضي. علمًا أنّ هذا الحديث يرويه أئمة الحديث من الفريقين (السنة والشيعة) بألفاظ متقاربة وبطرق وأسانيد متعددة، وهو متواتر أو قريب منه. وبإمكان القارئ أن يجد مصادر الحديث في الكتب الموضوعة لهذا الغرض؛ كـ: الغدير، والمراجعات، والعبقات، وغير ذلك من المصادر.
لقراءة بقية المقالات اضغط هنا
