مقالة للشيخ محمد مهدي الآصفي بعنوان: مشروع الوحدة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
<وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ>[1].
مشروع الوحدة الإسلامية تحدٍّ ومواجهة
الوحدة الإسلامية مشروعنا الثقافي والسياسي والاقتصادي الحاضر والمستقبلي، وهذا المشروع الإسلامي العالمي هو المشروع المؤهّل لمواجهة التحديات الحضارية والسياسية والاقتصادية الكبيرة التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم.
وهو في نفس الوقت يحمل بالمقابل مشروعًا للتحدي على مستوى العالم… فهو مشروع مزدوج للتحدي ومواجهة التحدي، غير أنّ مشروع التحدي الإسلامي يحمل للبشرية خيرًا كثيرًا، بعكس المشاريع الغربية في تحدي العالم الإسلامي التي تحمل للمسلمين خرابًا وفسادًا حضاريًا وثقافيًا وتبعية سياسية واقتصادية.
وهذا المشروع يحتاج إلى دراسة كثيرة وتخطيط شامل من قِبل المفكّرين والعلماء والمثقفين الإسلاميين، وليس خطابًا إنشائيًا وشعارًا، وإنّما هو مشروع عمل ثقافي وسياسي وفقهي واقتصادي واجتماعي وأخلاقي.
الجماعة المؤمنة من منازل رحمة الله
لرحمة الله تعالى منازل في حياة الأمم والأفراد، فإذا عرف الناس منازل رحمة الله في حياتهم الاجتماعية، طلبوها وسعوا إليها.
ومن هذه المنازل: التوحيد والايمان والاخلاص والتقوى والتعاون والتحابب..
ومن هذه المنازل اجتماع المسلمين.
عن رسول (ص): «يد الله على الجماعة، فإنّ الشيطان مع من خالف الجماعة يركض»[2].
إنّ يد الله قوة ونور في حياة الناس، فإذا كانت يد الله على الجماعة، كانوا أقوياء ومستبصرين بنور الله لا يضعفون ولا يتيهون.
إنّ القوة الحاصلة بالجماعة ليست حالة كمّية حاصلة من تجمّع الأيدي تجمعًا كميًّا، وإنما هي حالة كيفية حاصلة من إمداد الله تعالى ورعايته لهم وهدايته إيّاهم، وإغاثته لهم ونصره إياهم، وإنقاذه تعالى لهم من الأزمات والكرب.
إنّ تجمّع المؤمنين يقترن دائمًا بمعية الله تعالى «يد الله على الجماعة»، واختلاف الناس وانفراطهم عن الجماعة المؤمنة يقترن دائمًا بمعية الشيطان «الشيطان مع من خالف الجماعة».
إنّ يد الله عاصمة لجماعة المؤمنين، تعصمهم عن الضلال والتّيه والضياع، فإذا شذّ أحدهم عنهم، فقد خرج عن دائرة عصمة الله، فكان من نصيب الشيطان.
عن رسول الله (ص): «يد الله على الجماعة، فإذا اشتذّ الشاذ منهم، اختطفه الشيطان، كما يختطف الذئب الشاة الشاذّة من الغنم»[3].
المقصود بالجماعة
وأقصد بالجماعة الجماعة الهادية الراشدة، على صراط الله المستقيم، على هدى الكتاب والسنّة الشريفة؛ مثل اجتماع المؤمنين للجهاد والصلاة والجمعة والدعاء والتشاور والتزاور والتعاون وذكر الله تعالى والتذكير بسيرة صالح المؤمنين. ومن قبيل الاجتماعات التي يعقدها المؤمنون للاعتراض والاحتجاج على الظالمين وسلوكهم وظلمهم واستبدادهم. هذه الاجتماعات هي الاجتماعات الهادية الراشدة الموجّهة التي تستنزل رحمة الله، وتهبط عندها الرحمة من عند الله تعالى.
ولا أقصد بـ «الجماعة» الجماعات الشاذة التي تلتفّ حول البدع وتشذّ عن الصراط المستقيم وعن الكتاب وسنّة رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) من بعده، الذين أعلنهم رسول الله (ص)، بأمر من الله تعالى، عِدلًا للكتاب من بعده، وأمناء على الكتاب والسنة.
ولست أقصد بالجماعة الجماعات الغوغائية غير الموجّهة، أتباع كل ناعق، الذين يميلون مع كل ريح، كما يقول أمير المؤمنين (ع) لكميل.
يقول كميل بن زياد (رحمه الله): «أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب عليه السلام، فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرَ، تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ! إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ؛ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ»[4].
وفي هذه الكلمة، الجماعة الموجّهة الراشدة هي الأولى والثانية. وأما الثالثة، فهي الجماعة الغوغائية غير الموجّهة، أتباع كل ناعق؛ حتى لو كانت كثيرة.
الجماعة الأولى هم أصحاب العلم والمعرفة، الربانيون، الذين آتاهم الله المعرفة والبصيرة.
والجماعة الثانية هم الذين يهتدون بهدى أصحاب المعرفة، ويستنيرون بضوء معرفتهم.
هؤلاء وأولئك جماعات راشدة موجّهة.
وأما الطائفة الثالثة، فلم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا الى ركن وثيق من أرباب العلم والمعرفة، يصفهم الإمام (ع) بأوصاف ثلاثة:
1. «همج رعاع»، شريحة اجتماعية غوغائية.
2. «أتباع كل ناعق»، ينقادون لكل نداء ونعيق بسهولة، من غير تردد وتفكير وتأمّل وتوقّف، كما يصنع العقلاء من الناس.
3. «يميلون مع كل ريح»، ليس لهم وزن في ميزان الآراء والمواقف. وهذه هي الحالة الاجتماعية العائمة التي تجري مع كل ريح وموج من ذات اليمين إلى ذات الشمال.
«لم يستضيئوا بنور العلم»، وهم الجماعة الأولى الذين آتاهم الله تعالى العلم والمعرفة.
«ولم يركنوا إلى ركن وثيق»، وهم الجماعة الثانية الذين يتبعون أصحاب العلم والمعرفة، ويركنون ويلجأون إليهم.
هذه الجماعة هي الجمهور الغوغائي العائم، غير الموجّه، وغير الراشد، وهي ليست الجماعة الراشدة التي تستنزل رحمة الله تعالى وإن كثُرت.
سُئل الإمام علي (ع) عن تفسير «السُّنّة» و«البِدعة» و«الجماعة» و«الفرقة»، فقال: «السُّنّة والله سنّة محمد (ص)، والبدعة ما فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلّوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا»[5].
وعن الإمام الصادق (ع): «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنْ جَمَاعَةِ أُمَّتِهِ، فَقَالَ: جَمَاعَةُ أُمَّتِي أَهْلُ الْحَقِّ وَإِنْ قَلُّوا»[6].
وقيل لرسول الله (ص): ما جماعة أمتك؟ قال: «مَنْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً»[7].
هذه «الجماعة» هي الجماعة الهادية الراشدة والموجّهة التي تستنزل رحمة الله تعالى وبركاته.
مشاهد من اجتماع المؤمنين
يستعرض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مشاهد من التاريخ عن «الوحدة» و«الفرقة» في أهل الكتاب أمثال بني إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل.
ويذكّرنا بما أنزل الله تعالى عليهم من بركاته ورحمته يوم كانت أيديهم مجتمعة وقلوبهم مؤتلفة.. فلمّا أن تفرقت كلمتهم وتشتّتَ صفّهم وتخالفت قلوبهم، أذهب الله عنهم ما أنزل عليهم من رحمته وبركاته، وأوكلهم إلى أنفسهم.
يقول (ع): «فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً، وَالْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً، وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً! أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَابًا فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ، وَ مُلُوكًا عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ؟
فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ! قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَرًا لِلْمُعْتَبِرِينَ.
فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ – عليهم السلام – فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ!
تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَابًا لَهُمْ يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ وَبَحْرِ الْعِرَاقِ وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ وَمَهَافِي الرِّيحِ وَنَكَدِ الْمَعَاشِ»[8].
عناصر الوحدة
الوحدة «أصل» و«فقه» و«أخلاق» و«آليات علمية وعملية». وما لم تجتمع هذه النقاط جميعًا في هذا المشروع الكبير لن يستطيع أن يحقق على وجه الأرض أهدافه الكبيرة.
وسوف أتحدث – إن شاء الله – عن هذه العناصر الأربعة في مشروع الوحدة بإيجاز واختصار.
العنصر الأول: أصالة الوحدة
الوحدة، في الإسلام، في المجتمع الإسلامي، «أصل». ومعنى الأصل أنه أساس ومعيار علمي وعملي للتعامل مع مواضع الاختلاف العلمي والفكري والسياسي والاقتصادي.
فكلما واجهنا في حياتنا العملية أو السياسية أو الاقتصادية موضعًا من مواضع الخلاف، كانت الوحدة أصلًا ومنهجًا في التعامل مع هذه المواضع.. وليس معنى ذلك إلغاء الخلاف والرأي والاجتهاد المخالف، فإنّ ذلك أمر غير ممكن وغير صحيح، ولكن لابد من التعامل مع نقاط الخلاف العلمي والعملي والسياسي بين المسلمين بمنهجية علمية وعملية.. والوحدة هي هذه المنهجية العلمية والعملية للتعامل مع مواضع الخلاف بين المسلمين.
والقرآن الكريم يقرر هذا الأصل بوضوح في أكثر من موضع. يقول تعالى:
<وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 103 وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 104 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ>[9].
<وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ>[10].
<إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ>[11].
<وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب>[12].
والاختلاف «أمر واقع»، والوحدة «أصل»، ويجب أن نتعامل مع هذا الأمر الواقع بهذا الأصل. نحن عندما نتعامل مع المسائل الخلافية في العقائد والفقه، لا نأخذ فقط الدليل بنظر الاعتبار ونلغي كل أمر آخر. إنّ المنهج الصحيح أن نأخذ بالأمرين معًا: بالرأي والدليل والحجة، ونأخذ أصل الوحدة أيضًا بنظر الاعتبار، في طريقة التعامل مع الاختلاف في الرأي والفهم.
الاختلاف حقيقة واقعة لا يمكن نفيها، ولا يصح إنكارها، والاختلاف في الرأي والدليل والاجتهاد أمر واقع لا يصح التنازل عنه؛ لأنّ التنازل عنه تنازل عن الرأي والدليل، والتنازل عن الرأي والدليل لا يصحّ إلا إلى دليل وحجة أخرى، ورأي آخر قائم على الدليل والحجّة.
ولكن إلى جنب هذا الاختلاف، وضع الإسلام «أصلًا» في طريقة التعامل مع الاختلاف، وهو «أصل الوحدة». وهذه مسألة على درجة كبيرة من الأهمية:
كيف نتعامل مع الاختلاف في الرأي؟
هل يجوز أن يطرد بعضنا بعضًا إذا اختلفنا في الرأي؟
وهل الاختلاف في الرأي «في الفقه والأصول والسياسة» بمعنى التقاطع والرفض والطرد والنفي، أو بمعنى الحوار والتفاهم؟
العنصر الثاني: فقه الوحدة
قلنا إنّ الوحدة «أصل» و«فقه» و«أخلاق» و«آليّات علميّة وعمليّة». وقد تحدثنا عن «أصل الوحدة»، وها نحن نتحدث عن «فقه الوحدة».
للوحدة فقه وقانون، وهذا الفقه نابع من ذاك الأصل.
فقه الوحدة تنظيم فقهي لأمر التعايش الفقهي بين المسلمين.
والتعايش الفقهي من ضرورات الحياة الاجتماعية.
فإنّ المجتمعات الإسلامية تجمع بين مذاهب فقهية مختلفة في العبادات والأحوال الشخصية والمدنية والقضاء والعقود، ولا يجتمعون على فقه واحد. وفي فقه أهل البيت (ع)، أحكام خاصة بـ «التعايش الفقهي»، أذكر منها ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: قاعدة التقية
وهي أن يلتزم المسلم الذي يتبع مذهب أهل البيت بأحكام فقه المذاهب السنّية في العبادات، فيصلي بصلاتهم، ويفطر في العيد الذي يفطر فيه سائر المسلمين وإن اختُلف في تشخيص العيد، إذا تعذّر عليه الصيام في ذلك اليوم، ثم يقضي ذلك اليوم.
ويلتزم باليوم الذي يعلنونه للوقوف في عرفة وإن اختلف رأيه عنهم في تشخيص ذلك اليوم.
والتقية لم تشرَّع فقط لحالات الخوف؛ من بطش الحكام واضطهادهم وظلمهم، وإنما شُرّعت من أجل توحيد مظاهر العبادة، وتأليف القلوب، والاحتفاظ بوحدة صيغ العبادة ومظاهرها.
القاعدة الثانية: قاعدة الإلزام والالتزام
وهذه قاعدة أخرى في التعايش الفقهي بين المسلمين، وخلاصة هذه القاعدة أمران:
الأول: الالتزام الفقهي بصحة العقود والمعاملات التي تتم فيما بين أهل المذهب المخالف لمذهب أهل البيت (ع). فلو صح عندهم الطلاق، صح الزواج من المرأة المطلقة عندهم، بموجب المذهب الفقهي الذي يذهبون إليه وإن كان هذا الطلاق غير صحيح عندنا.
وإذا صح الميراث في بعض مذاهب أهل السنة في بعض الموارد، مما لا يتفق ومذهب أهل البيت (ع) في الفقه، اعتبرنا «الوارث» في ذلك المذهب مالكًا لما ورث عندهم وإن لم يكن وارثًا بموجب مذهب أهل البيت (ع)، وصح عندنا الشراء منه وان كان لا يعد مالكًا حقيقة عندنا في مذهب أهل البيت (ع)..
وهذا هو أحد معنيَي قاعدة «الإلزام والالتزام»، وهي من أهم قواعد فقه الوحدة.
الثاني: إلزام أتباع المذاهب الأخرى بما يصح في مذهبهم في التعامل المشترك بين أتباع مذهب أهل البيت (ع) وأتباع ذلك المذهب.
فإذا مات شخص من مذهب آخر غير مذهب أهل البيت (ع)، وكان يرثه فرد من مذهب أهل البيت (ع) بموجب مذهب المورِّث، ولكن لا يرثه بموجب مذهب أهل البيت (ع)، صح للوارث «الشيعي» أن يرث المورِّث «السُّنّي»، بموجب المذهب الفقهي للمورِّث، بموجب هذه القاعدة.
إذًا؛ هذه القاعدة من أهم عناصر «فقه الوحدة» تصحح التعامل المشترك بين أتباع المذاهب المختلفة ومذهب أهل البيت (ع)، وهي قاعدة شريفة جليلة تحقق جوًّا سليمًا للتعايش الفقهي بين المسلمين.
إنّ التعايش الوحدوي والسليم في المجتمع الإسلامي بين المذاهب الإسلامية الفقهية مسألة في غاية الأهمية، فلابد أن يعيش المسلمون بعضهم مع بعض، ولهذا التعايش فقه وأصول وأخلاق. وقاعدة (الإلزام والالتزام) من تلك القواعد الفقهية التي توفّر الجوّ الفقهي الشرعي للتعامل المشترك في المسائل المختلَف فيها بينهم فقهيًا في المعاملات والأحكام الشخصية.
القاعدة الثالثة: قاعدة الحصانة والحرمة
والقاعدة الثالثة في فقه الوحدة «حصانة المسلم»، وهي قاعدة شريفة جليلة من قواعد الفقه الإسلامي. وإذا كانت قاعدة «التقية» و«الإلزام» تخص فقه أهل البيت (ع)، فإنّ قاعدة حصانة المسلم وحرمته تعمّ جميع المذاهب الفقهية في الإسلام. وإليك توضيحًا إجماليًا موجزًا لهذه القاعدة:
يمنح الإسلام المسلم – من أيّ مذهب ما لم يتنّكر لضرورات الدين أصولًا وفروعًا – حصانة، ولا يحق لأحد أن ينال منه إلا بحق.
حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة
يقول عبد الله بن عمر: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ»[13].
واستقبل الإمام الباقر (ع) الكعبة، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَرَّمَكِ وَشَرَّفَكِ وَعَظَّمَكِ وَجَعَلَكِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا. وَاللَّهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْك»[14].
حرمة المسلم أعظم الحرمات
يقول أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالْإِخْلاَصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَلَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلاَّ بِمَا يَجِبُ»[15].
كل المسلم على المسلم حرام
وهذه الحصانة شاملة.
عن رسول الله (ص): «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لَا يَخُونُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ. كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ»[16].
وروى أحمد في المسند عن رسول الله (ص): «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ»[17]. ورواه ابن ماجة في السنن[18].
وروى أحمد عن رسول الله (ص): «الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ»[19].
وعن أنس بن مالك عن رسول الله (ص): «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلاَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ المُسْلِمُ؛ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ»[20].
وروى الإمام موسى بن جعفر (ع) عن رسول الله (ص): «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِسْلَامَ دِينَهُ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ حِصْنًا لَهُ، فَمَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَشَهِدَ شَهَادَتَنَا، وَأَحَلَّ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ؛ لَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا»[21].
الإسلام يحصّن الدماء
عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: قال رسول الله (ص): «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، فَإِذَا قَالُوهَا، فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّه»[22].
روى مسلم في الصحيح عن أسامة بن زيد أنه قال: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ (ص) فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ (ص)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): أَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: أَ فَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَ قَالَهَا أَمْ لَا؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ»[23].
العنصر الثالث: أخلاق الوحدة
قلنا إنّ الوحدة ليست شعارًا ولا أمنية، وإنّما هي مشروع عمل، وفقه، وأصل، وأخلاق، وآليات علميّة وعمليّة. ونتحدث الآن عن أخلاق الوحدة.
للوحدة أخلاقيات كما أنّ للتفرقة والخلاف أخلاقيات أخرى.
من أخلاق الوحدة: الألفة، والرفق، والمداراة، والعفو، والمسامحة، واتّباع الحق، والتجرّد من العصبية.
ومن أخلاق الاختلاف والفرقة: الحسد، والمشاكسة، واللجاج، والعناد، والغضب.
في دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، يستعيذ بالله من أخلاقية الخلاف والفرقة، وإليك هذا الدعاء:
«اللَّهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَانِ الْحِرْصِ، وَسَوْرَةِ الْغَضَبِ، وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ، وَضَعْفِ الصَّبْرِ، وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ، وَشَكَاسَةِ الْخُلُقِ، وَإِلْحَاحِ الشَّهْوَةِ، وَمُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَمُخَالَفَةِ الْهُدَى، وَسِنَةِ الْغَفْلَةِ، وَتَعَاطِي الْكُلْفَةِ، وَإِيثَارِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ، وَمُبَاهَاةِ الْمُكْثِرِينَ، وَالْإِزْرَاءِ بِالْمُقِلِّينَ، أَوْ أَنْ نَعْضُدَ ظَالِمًا، أَوْ نَخْذُلَ مَلْهُوفًا. وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ نَنْطَوِيَ عَلَى غِشِّ أَحَدٍ، وَأَنْ نُعْجِبَ بِأَعْمَالِنَا، وَنَمُدَّ فِي آمَالِنَا»[24].
ومن أخلاق الوحدة: التجرّد، والتحرّر من العصبية، والالتزام بالحق.
كما أنّ من أخلاق الخلاف والفرقة: العصبية.
يقول الإمام الصادق (ع): «مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِه»[25].
وعن رسول الله (ص) أنه قال: «ليس منّا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية. ومن يتعصّب، عصبه الله بعصابة من نار»[26].
ومن أخلاق المؤمن: التحرّر من الانفعال والغضب.
عن الإمام الصادق (ع): «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا سَخِطَ، لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنَ الْحَقِّ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ، لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا قَدَرَ، لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَهُ»[27].
وفي حديث آخر عنه (ع): «لَا يَقْبَلُ الْبَاطِلَ مِنْ صَدِيقِهِ، وَلَا يَرُدُّ الْحَقَّ عَلَى عَدُوِّهِ»[28].
ويقول (ع): «إِنَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ: أَنْ تُؤْثِرَ الْحَقَّ وَإِنْ ضَرَّكَ، عَلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ نَفَعَكَ»[29].
وعن أمير المؤمنين (ع): «إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ، مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَه»[30].
من أخلاق الفرقة: البطش، وسوء المعاشرة.
ومن أخلاق الوحدة: الألفة، والرفق.
يقول الإمام الصادق (ع): «أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ إِمَارَةَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَتْ بِالسَّيْفِ وَالْعَسْفِ وَالْجَوْرِ؟ وَأَنَّ إِمَامَتَنَا بِالرِّفْقِ وَالتَّأَلُّفِ وَالْوَقَارِ وَالتَّقِيَّةِ وَحُسْنِ الْخِلْطَةِ وَالْوَرَعِ وَالِاجْتِهَاد؟»[31].
إنّ للوحدة أخلاقية خاصّة تحضّر الجوّ الأخلاقي للتعايش والتفاهم بين المسلمين.
وللتعايش بين المسلمين، أعراف وأصول أخلاقية لابدّ منها ولا يتحقق من دونها.
ولا يمكن الانفتاح والتعاون والتعاطي والتعامل والتعايش المشترك بين المسلمين من دون هذه الأخلاقيات، كما لا يمكن أن يحقق المسلمون الغايات والأهداف الكبيرة لهذا الدين على وجه الأرض، ولا يمكنهم مواجهة التحديات الكبيرة السياسية والثقافية والاقتصادية، ما لم يتمكنوا من أن يحققوا هذا الجوّ الذي لا بد منه من التعايش والانفتاح والتعامل المشترك والتفاهم والتعاون.
التواصل والتعايش بإحسان مع عامة المسلمين
ولأهل البيت (ع) اهتمام بالغ بهذه النقطة، فلا يرضون لشيعتهم أن يعزلوا أنفسهم عن الوسط العام للأمّة الإسلامية الكبيرة، فهم جزء لا يتجزأ من هذه الأمّة، والاختلاف في الأصول والفروع والانتماء والولاء يجب أن لا يؤدي إلى التقاطع مع سائر المسلمين.. فإنّ هذه الأمة بكل اتجاهاتها ومذاهبها أمة واحدة: <إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>[32]، وتعتبر قوة كبرى على وجه الأرض، وتواجه تحديات كبيرة، ولا تستطيع أن تواجه وتتجاوز هذه التحديات ما لم تكن أمة واحدة بموقف واحد وفي صف واحد.
وقد كان أئمة أهل البيت (ع) يعيشون معهم وفي أوساطهم، ويجتمع إليهم المسلمون من كافة المذاهب والاتجاهات، ويحضرون مجالسهم ويأخذون منهم العلم، ولو أحصينا أهل العلم الذين أخذوا العلم عن الإمام الباقر والصادق (ع)، لوجدناهم أمة كبيرة من أهل العلم، وكانت مجالسهم ومحاضرهم عامرة بفقهاء المسلمين وحملة الحديث النبوي وأهل العلم من كل اتجاه ومن كل بلد..
وهذه الحالة يعرفها جيدًا من يعرف حديث أئمة أهل البيت (ع) وسيرتهم، وهي تعبّر عن حالة الانفتاح والتعايش المذهبي الإيجابي السليم مع كل الاتجاهات والمذاهب الإسلامية، في الوقت الذي كان أهل البيت (ع) يرسمون ويوضّحون لشيعتهم وللمسلمين عامّة الخط الفكري الصحيح في الأصول والفروع بوضوح وصراحة وبشكل دقيق ومن غير مجاملة.
وفي أحاديث أهل البيت (ع)، دعوة واضحة وصريحة إلى هذا الانفتاح مع المسلمين والتعايش الإيجابي والتواصل والتعاطف والتعاون معهم. وإليك نماذج من أحاديث أهل البيت (ع) في هذا الشأن:
روى محمد بن يعقوب الكليني بسند صحيح في الكافي عن أبي أسامة زيد الشحّام، قال: قال أبو عبد الله (ع): «اقْرَأْ عَلَى مَنْ تَرَى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِيَ السَّلَامَ.
وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَالِاجْتِهَادِ لِلَّهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَطُولِ السُّجُودِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (ص).
أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا بَرًّا أَوْ فَاجِرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ يَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ.
صِلُوا عَشَائِرَكُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ.
فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هَذَا جَعْفَرِيٌّ. فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَعَارُهُ، وَقِيلَ: هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ.
فَوَاللَّهِ لَحَدَّثَنِي أَبِي (ع) أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ (ع) فَيَكُونُ زَيْنَهَا؛ آدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ، وَأَقْضَاهُمْ لِلْحُقُوقِ، وَأَصْدَقَهُمْ لِلْحَدِيثِ، إِلَيْهِ وَصَايَاهُمْ وَوَدَائِعُهُمْ تُسْأَلُ الْعَشِيرَةُ عَنْهُ، فَتَقُولُ: مَنْ مِثْلُ فُلَانٍ! إِنَّهُ لآَدَانَا لِلْأَمَانَةِ وَأَصْدَقُنَا لِلْحَدِيثِ»[33].
وأيضًا بسند صحيح عن معاوية بن وهب، قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، وَفِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ؟
قَالَ: فَقَالَ: «تُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ، وَتُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَتَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، وَتَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ»[34].
وأيضًا بسند صحيح عن معاوية بن وهب، قال: قُلْتُ لَهُ – أي الصادق (ع) -: كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، وَبَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا؟
قَالَ: «تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ. فَوَاللَّهِ؛ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ، وَيُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَيُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ»[35].
وفي رواية أخرى بسند صحيح عن حبيب الحنفي، قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَالِاجْتِهَادِ، وَاشْهَدُوا الْجَنَائِزَ، وَعُودُوا الْمَرْضَى، وَاحْضُرُوا مَعَ قَوْمِكُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَأَحِبُّوا لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ. أَ مَا يَسْتَحْيِي الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَنْ يَعْرِفَ جَارُهُ حَقَّهُ وَلَا يَعْرِفَ حَقَّ جَارِهِ؟»[36].
وبسند صحيح عن مرازم، قال: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ لِلنَّاسِ، وَإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، وَحُضُورِ الْجَنَائِزِ. إِنَّهُ لَابُدَّ لَكُمْ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَغْنِي عَنِ النَّاسِ حَيَاتَهُ، وَالنَّاسُ لَابُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ»[37].
العنصر الرابع: آليات الوحدة
وهذه هي النقطة الرابعة من مكوّنات الوحدة.
الوحدة ليست مجرد شعار وخطاب، وإنما هي مشروع عمل فقهي وسياسي واجتماعي، وهو مشروع واسع وكبير، ويحتاج إلى تضافر العقول والجهود. ولهذا المشروع آليات علمية وعملية، ولا تتحقق الوحدة من دون توفير هذه الآليات العلمية والعملية في أجواء التعايش الإسلامي. واليك توضيحًا موجزًا عن هاتين الآليتين:
الآليات العلميّة
1. البحث عن المساحات العلمية المشتركة بين المسلمين في الأصول والفروع والثقافة العامّة ومصادر التشريع، وهي مساحات واسعة في العقائد والفقه والتفسير وعلوم القرآن وآيات الأحكام والحديث والجرح والتعديل وأصول الفقه، وبسط الكلام فيما اتفق فيه الفريقان الكبيران من المسلمين الشيعة والسنّة.
وقد سعينا أخيرًا في مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية إلى تحقيق الكثير من ذلك في «الحديث النبوي المشترك» و«القواعد المشتركة» و«التفسير المقارن» و«الرواة المشتركين في إسناد الروايات»، و«الفقه المقارن»، و«الأصول المقارن».. وغير ذلك، وكانت – ولله الحمد – جهودًا مباركة آتت ثمارها سريعًا.
2. تسليط الأضواء العلمية على مواضع الخلاف بين المذاهب الإسلامية. فلا يصح تسطيح الخلاف بين المذاهب الإسلامية، ولا يصح تعميق الخلاف بينها، فكلٌّ منهما خطأ. والصحيح هو تسليط الأضواء العلمية على مواضع الخلاف بين المسلمين في الأصول والفروع بشكل موضوعي وعلمي وهادئ.
ومن العجب، أنّ الدراسة العلمية الموضوعية لمواضع الخلاف بين المذاهب الإسلامية في الفقه والأصولَين «أصول العقائد وأصول الفقه» من عوامل التفاهم والتقارن والتعاطي العلمي، وليس من عوامل الاختلاف والتنابذ.. وقد جرّبنا كثيرًا هذه الحقيقة، وحصل لنا الاطمئنان بأنّ الأبحاث العلمية الموضوعية في مسائل الخلاف من عوامل التقارب، وليست من عوامل التباعد.
ولذلك، نجد في تراثنا الفقهي نوعين من الدراسات: الدراسات «الخلافية»، والدراسات «المقارنة».
فهناك فقه الخلاف؛ مثل موسوعة الشيخ أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) تعالى: كتاب «الخلاف».
وهناك جهد آخر في الفقه المقارن؛ مثل موسوعة العلاّمة الحلّي (رحمه الله) تعالى: كتاب «تذكرة الفقهاء».
وكان من اهتمامات آية الله المحقّق السيد البروجردي (رحمه الله) التأكيد في دروسه الفقهية العالية على «الفقه المقارن» و«الفقه الخلافي».
3. التعاطي العلمي بين علماء المسلمين من المذاهب الإسلامية المختلفة. لقد كان بين فقهاء المسلمين وعلمائهم تعاطٍ علمي واسع في مواضع الخلاف الفكري والفقهي والأصولي والعقائدي، فكان يحضر فقهاء من أهل السنة عند أئمة الشيعة وعلمائهم. وبالعكس، كان يحضر علماء من الشيعة عند فقهاء وعلماء من أهل السنة.
وقد حضر أبو حنيفة النعمان «80 – 150 هـ» عند الإمام الصادق (ع) «80 – 148 هـ» سنتين، واشتهر عنه في هاتين السنتين التي حضرها عند الإمام الصادق (ع) أنه كان يقول: «لولا السنتان لهلك النعمان».
كما حضر مالك بن أنس «93 – 179 هـ» في المدينة عند الإمام الصادق (ع)، وكان الإمام الصادق (ع) يوليه اهتمامًا خاصّا.. وفي كتاب مالك المعروف بـ «الموطّأ»، أربعون رواية عن أهل البيت (ع)، وبعضها عن الإمام الصادق (ع) مباشرة.
ويروي ابن عقدة[38] أنه كان يروي عن الإمام الصادق (ع) أربعة آلاف شيخ كلهم يحدّث عن الصادق (ع)، ويوجد في رجال الشيخ الطوسي 3223 رجلًا من هؤلاء الأربعة آلاف، والكثير منهم من رواة ومحدّثي أهل السنّة.
يقول أحد روّاد التقريب الشيخ واعظ زادة: جمعت 12000 حديث لأئمة أهل البيت (ع) من طرق أهل السنّة وكتبهم ومصادرهم.
ومن جملة فقهائنا الكبار، الشيخ المفيد (رحمه الله)، كان يحضر عند عدد من كبار علماء وفقهاء أهل السنّة؛ ومنهم: أبو ياسر مولي أبي الخنيس، وعلي بن عيسي الرماني «296 – 384هـ». وقد لقّبه الرماني بـ «المفيد» في قصّة معروفة.
وحضر السيد الشريف المرتضى علم الهدى (رحمه الله) على عدد غفير من علماء وفقهاء أهل السنّة، كما كان يحضر عنده عدد من علماء أهل السنّة أيضًا.
روى الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القمي، قال: «إنّي أدركت في هذا المسجد – مسجد الكوفة – تسعمائة شيخ، كلٌّ يقول: حدثني جعفر بن محمد»[39]، وكثير منهم من رواة أهل السنّة.
ولا نريد أن نتوسع في هذا المجال.. فمن يقرأ تاريخ الفقه والأصولَين، يجد هناك تعاطيًا واسعًا بين علماء مدرسة أهل البيت (ع) وعلماء المسلمين من سائر المدارس.. وهذا التعاطي والتداول العلمي، دراسةً وتدريسًا وروايةً، من أهم الآليات العلمية التي تؤدي إلى وحدة المسلمين. وقد تحدثنا عن شطر من ذلك في ترجمة الشهيد الثاني (قدس سره) في مقدمة كتاب الروضة البهيّة في شرح اللّمعة الدمشقية.
الآليات العملية
1. الطاعة
إنّ الذي دعانا إلى توحيد الأمة المسلمة فقال: <إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>[40]، جعل «الطاعة» الأداة المفضّلة الأقوى لتحقيق هذه الوحدة. يقول تعالى: <وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ>[41].
إنّ الانفلات عن الطاعة يؤدي إلى الخلاف والتنازع بالتأكيد، فإنّ الطاعة هي التي تحفظ تماسك الأمة والموقف والكلمة.. وهذه هي المعادلة الأولى <وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ>.
والمعادلة الثانية: أنّ التنازع يؤدي إلى تشتّت الأمة والكلمة والموقف، وهو يؤدي إلى إفشال الموقف والقرار: <تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ>.
والإفشال يعادل العجز والضعف والخواء وذهاب القوة: <وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ>.
إنّ الطاعة هي التي تحفظ وحدة الأمة ووحدة الصف ووحدة الموقف والقرار والكلمة.. وهذه الوحدات الخطيرة لا تتحقق من دون الطاعة بالضرورة. ولذلك، فقد أعطى الإسلام لـ «الطاعة» قيمة كبيرة تأتي بعد قيمة «التوحيد والإيمان» مباشرة.
ومبدأ الطاعة هو الله تعالى بالتأكيد، ولا طاعة لأحد من غير أمر الله، وطاعةُ الرسول (ص) من طاعة الله وبأمر الله وإذنه، ولا طاعة لمن لا يأذن الله بطاعته.
فالطاعة – إذن – من مقولة التوحيد، وهي قضية حقيقية.
وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله وأولياء الأمور من بعد رسول الله (ص) جيلًا من بعد جيل، دون أن ينقطع حبل الولاية والطاعة من المجتمع <أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ>[42].
وتكرار الطاعة في الآية الكريمة يوحي بأنّ الطاعة طاعتان:
طاعة في التشريع، وهي الطاعة الأولى، وهي لله؛ حتى إذا كان من خلال تبليغ رسول الله (ص).
وطاعة ثانية لأولياء الأمور، ورسولُ الله (ص) هو أوّل أولياء الأمور في هذه الأمة، وتتسلسل من بعده الولاية في أئمة المسلمين (ع) ونوّابهم.
2. المطاوعة
وحيث لا يمكن الوصول إلى حدّ مقبول من التفاهم لتسيير أمور المسلمين.. لابد أن يلجأ المؤمنون عندئذ إلى «المطاوعة» عند فشل التفاهم، إذا كان ضرر المخالفة أبلغ وأقوى على هذه الامة من مطاوعة الرأي الآخر؛ حتى مع الإيمان بخطأ الرأي الآخر وبطلانه.
وهذه أشقّ مراحل العمل للمحافظة على وحدة صف المسلمين، والمحافظة على الكيان السياسي الإسلامي العام.
وقد ابتلي أمير المؤمنين (ع) بمثل هذا الابتلاء عندما أعرض الناس عن بيعته وبايعوا أبا بكر خليفة للمسلمين، وقد شهدوا قبل زمن قصير وصية رسول الله (ص) له بالإمامة والخلافة من بعده في موقع «غدير خم»، وعرفوا موقعه من رسول الله (ص) ومن الإسلام.
ولم يكن (ع) يشك في أنّ الإمامة وخلافة رسول الله (ص) تراثه الذي ورثه من رسول الله (ص) باستحقاق ويقين، ولكن لمّا وجد أنه إذا أصرّ على المطالبة بحقه في إمامة المسلمين، فسوف يؤدي إلى انشقاق خطير في صفوف المسلمين وائتلام كيان الإسلام السياسي.. آثر المطاوعة للحالة السياسية القائمة على المطالبة بحقه.
وهذا واضح، ولا يمكن التشكيك في سلوك أبي الحسن أمير المؤمنين (ع) السياسي.
فلنستمع إليه يحدّثنا بهذه القضية السياسية التي آلمته أشد الإيلام، وتسببت في هذا الانشقاق الكبير الذي حصل في تاريخ الإسلام، وأنقل إليكم نصوصًا ثلاثة:
النص الأول: «أَمَا وَاللَّهِ؛ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلاَنٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبًا، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحًا، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا، أَرَى تُرَاثِي نَهْبًا»[43].
النص الثاني: «فَلَمَّا مَضَى (ص)، تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللَّهِ؛ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ. فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلاَمِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (ص)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْمًا أَوْ هَدْمًا تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ»[44].
النص الثالث: «لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي. وَوَاللَّهِ؛ لَأُسَلِّمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاسًا لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدًا فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِه»[45].
إنّ المطاوعة ليست من التنازل في شيء، والإمام (ع) عندما أعلن المطاوعة وقَبل بخلافة الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، لم يتنازل عن حقه الذي بقي يؤكّده الى آخر حياته.. وإنّما وجد من مصلحة الإسلام والمسلمين ومصلحة الكيان السياسي للإسلام أن يطاوع ولاية الخلفاء الثلاثة، فكان (ع) يتعاون معهم ويقدّم لهم الاستشارة – من موقع الصّدق والنصح – وينصح لهم الرأي، وطالما قال الخليفة الثاني: «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن».
ويخفى على كثير تفسير التقية ووجهها، فيتصورون أنّ صاحب التقية يمارس وجهين في خياراته: وجهًا يؤمن به، ووجهًا آخر يتظاهر به. وليس الأمر كذلك؛ بل التقية مطاوعة في السلوك السياسي والعبادي والعقدي «المعاملات»؛ لإبراز الوجه الواحد للأمة الإسلامية في السلوك العبادي والسياسي «في قاعدة التقية»، وللإعلان عن قبول التعددية في المذهب الفقهي وتقنين التعايش الفقهي ما بين المذاهب الإسلامية في «قاعدة الالزام والالتزام».
ويدل على ذلك أنّ مشروعية التقية لا تقتصر على حالة الخوف والاضطرار.. بل تشمل حالات المداراة العبادية والسياسية.
ويدل على ذلك أيضًا أنّ العبادة التي يأتي بها المسلم تقية لا تحتاج الى إعادة أو قضاء في الوقت وخارج الوقت بعد انتفاء عامل التقية، فإنّ العمل قد وقع صحيحًا ولا يحتاج إلى إعادة.
ومهما يكن من أمر؛ فإنّ قاعدة التقية في الشريعة نحوٌ من المطاوعة في السلوك السياسي والعبادي.
3. التعاون على البر والتقوى
يقول تعالى: <وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ>[46].
عن الإمام الصادق (ع): «تَوَاصَلُوا، وَتَبَارُّوا، وَتَرَاحَمُوا، وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»[47].
وعنه (ع): «تَوَاصَلُوا، وَتَبَارُّوا، وَتَرَاحَمُوا، وَتَعَاطَفُوا»[48].
4. التناصر بين المسلمين
وهو من شروط الولاء، ومَن وَجَب ولاؤه من المسلمين، تجب نصرته كلّما احتاج إلى النصرة واستنصر المسلمين. يقول (ص): «مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ. وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي: (يَا لَلْمُسْلِمِينَ) فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»[49].
5. ملازمه جماعة المسلمين
خطب رسول الله (ص) في حجة الوداع في منى بمسجد الخَيْف، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَل لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ»[50].
ولزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم في السراء والضراء يؤدي إلى توحيد الساحة الإسلامية بالضرورة. قال (ص): «الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»[51].
أركان الوحدة
وإذا تحدثنا عن العناصر المقوّمة للوحدة، فلابدَّ أن نتحدّث بإيجاز عن أركان الوحدة.
وحدة الأمة مقتبسة من قوله تعالى:
<وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ>[52].
<إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>[53].
إنّ هذه الأمة أمة واحدة، وليست أُمَمًا شتّى.
فما معنى وحدة الأمة؟
هذه الوحدة تتضمن مجموعة من الوحدات هي مقومات الوحدة وأركانها؛ وهي:
الوحدة الأولى: وحدة الألوهية والعبودية
قال تعالى: <وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ>[54]. ووحدة الألوهية ووحدة العبودية هي أهم هذه الوحدات جميعًا وأساسها.
الوحدة الثانية: وحدة الولاء
يقول تعالى: <إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ>[55].
إنّ الولاء الحق لله تعالى وحده، ولمن يأمر الله تعالى بولائه… وهذا الولاء الأخير يأتي في امتداد الولاء لله تعالى، فهو ليس شيئًا آخر غير الولاء لله.
والولاء من مقولة التوحيد، وتوحيد الولاء من مقومات وحدة الأمة، وتعدد الولاءات بمعنى تعدد الأمة بالضرورة.
الوحدة الثالثة: وحدة النسيج الاجتماعي للولاء
للولاء بُعدان:
بعد عمودي.
وبعد أفقي.
والبعد العمودي هو الولاء لله ولرسوله ولمن يتولّى أمور المسلمين من بعد رسول الله (ص) من أئمة المسلمين (ع).
والبعد الآخر هو البعد الأفقي للولاء. وهذا الولاء يربط المؤمنين بعضهم ببعض في شبكة ولائية واحدة لا تنفصم ولا تتفكك ولا تتجزّأ. إنّ الأمة الواحدة يربط بعضها ببعض رباط واحد من الولاء، وهذا الرباط يكون بأمر الله تعالى وإذنه. وهو أيضًا من مقولة التوحيد.
يقول تعالى: <إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ>[56].
هم نسيج واحد على اختلاف لغاتهم وأوطانهم، لا يحجز بعضهم عن بعض لغة ولا إقليم، ووجه الأرض وطن واحد لهم أينما حلّوا.
وفي مقابل ذلك: الذين كفروا بعضهم من بعض، لحمة واحدة في الكفر وعداء المؤمنين: <وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ>[57].
هذان نسيجان وولاءان منفصلان.
وأَما الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء على خرائط الجغرافيا السياسية، فهي مما ابتدعه الناس والحكّام في حياتهم، وليس من الولاء في شيء بحكم القرآن. يقول تعالى: <إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ>، وإِنما للحصر، ولا ولاء بعد الولاء لله لأحد إلاّ بأمر الله تعالى.
إِذًا؛ الأمة واحدة، نسيج واحد من الولاء بالضرورة <أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ>.
الوحدة الرابعة: وحدة الطاعة السياسية
والطاعة طاعتان:
طاعة الله.
وطاعة رسوله (ص) وأولياء الأمور من بعده..
والطاعة الثانية غير الطاعة الأولى؛ ولذلك ورد ذكر الطاعة في الآية الكريمة مرتين.
الطاعة الأولى لله، وهي في التشريع والعبودية والتقوى <وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>، <وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ>. وهذه الطاعة لله تعالى – كما قلنا – حتى لو كان التبليغ من رسول الله (ص) وخلفائه (ع)، وهو قوله تعالى: <أَطِيعُواْ اللّهَ>.
والطاعة الثانية، وهي الطاعة السياسية والإدارية، وهي لأولياء الأمور، وهم رسول الله (ص) وخلفاؤه من بعده، وهم أئمة المسلمين، وأوّلهم وعلى رأسهم رسول الله (ص)، وهو قوله تعالى: <أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ>.
ووحدة الطاعة تستبطن وحدة القرار، ووحدة النظام السياسي، ووحدة الصف، ووحدة الكلمة والموقف السياسي.. وهذه الوحدات هي من مقومات الوحدة الإسلامية وأركانها.
الوحدة الخامسة: وحدة البراءة
وهي الوجه الآخر لوحدة الولاء، ولا ينفك الولاء عن البراءة.
إنّ الولاء من دون البراءة أمر يسير، لا يحمّل صاحبه جهدًا كبيرًا، فإذا انضمت البراءة إلى الولاء وتكامل الولاء بالبراءة، فلا يتحمله إلا ذو حظ عظيم.
والبراءة هي المفاصلة الكاملة عن أعداء الله وأعداء رسول الله (ص) وخلفائه (ع) وأمّته ودينه الذي جاء به من عند الله. وهذه المفاصلة واحدة، كما أنّ الولاء واحد، وهي واجبة، كما أنّ الولاء واجب: <قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1 لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ 2 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 3 وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ 4 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ>[58].
ووحدة البراءة من مقومات وحدة الأمة، وتتجسد هذه الوحدة اليوم في توحيد موقف البراءة السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي والثقافي من أمريكا وإسرائيل ومَن يمتّ إليهما بصلة من الكيانات الاستكبارية الكافرة التي تعلن العداء لله ولرسوله (ص) وللإسلام والمسلمين.
إنّ وحدة الولاء والبراءة، ووحدة الطاعة السياسية، توحّد موقف الأمة السياسي من الأعداء والأصدقاء ومن قضاياها السياسية المحورية، وتنقذها من التشتّت في الموقف والقرار.
الوحدة السادسة: وحدة المسؤولية والرقابة الشاملة
عن رسول الله (ص):«كُلُّكُم رَاعٍ، وكُلَّكُم مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِه»[59].
وعن رسول الله (ص): «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي: (يَا لَلْمُسْلِمِينَ) فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»[60].
وعن رسول الله (ص): «مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»[61].
والمسؤولية والمراقبة الشاملة للمسلمين جميعًا، تجاه المسلمين جميعًا، من أبرز مظاهر وحدة هذه الأمة، وبها تتجسّد وحدة الأمة في الاهتمام والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول تعالى: <كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ>[62].
وهذه المراقبة الاجتماعية الشاملة، مراقبة الكل للكل والجميع للجميع، ليس فقط توحّد هذه الأمة وتجعلها أمة واحدة، وإِنما تجعلها أيضًا <خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ>.
الوحدة السابعة: وحدة الحصانة والحرمة
فإنّ كل مسلم حرام على كل مسلم؛ ماله، ودمه، وعرضه.
عن رسول الله (ص):«كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ»[63].
وعن رسول الله (ص): «كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ»[64].
وخطب رسول الله (ص) المسلمين في مِنَى عام حجة الوداع، وقال :«إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم القيامة. أ لا هل بلّغت؟»[65].
وهذه الحرمة الشاملة والحصانة الشاملة والواسعة لكل مسلم على كل مسلم تحصّن المسلمين جميعًا بعضهم من بعض.
عن الإمام الباقر (ع) عن رسول الله (ص): «أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ الْمُؤْمِنُ: مَنِ ائْتَمَنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ. وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَتَرَكَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْه»[66].
هذه سبع وحدات هي أركان الوحدة في الأمة الإسلامية الواحدة.
[1] الأنفال: 46.
[2] سنن النسائي 7: 92/4020.
[3] كنز العمال للمتقي الهندي 1: 206/1032.
[4] نهج البلاغة: 433. الحكمة: 139.
[5] كتاب سليم بن قيس الهلالي 2: 964.
[6] معاني الأخبار: 154/1. باب معنى الجماعة والفرقة والسنة والبدعة.
[7] بحار الأنوار 2: 266.
[8] نهج البلاغة: 297-298. الخطبة: 234.
[9] آل عمران: 103 – 105.
[10] الأنفال: 46.
[11] الأنعام: 159.
[12] الشورى: 14.
[13] سنن ابن ماجة 5: 85/3932.
[14] بحار الأنوار 71: 233.
[15] نهج البلاغة: 199. الخطبة: 166.
[16] سنن الترمذي 4: 325/1927.
[17] مسند أحمد بن حنبل 13: 159/7727.
[18] سنن ابن ماجة 5: 86/3933.
[19] مسند أحمد بن حنبل 25: 400/16019.
[20] صحيح البخاري 1: 87/393.
[21] نوادر الراوندي: 21.
[22] عوالي اللآلي العزيزية 1: 238/154.
[23] صحيح مسلم 1: 96/158.
[24] الصحيفة السجادية، الدعاء الثامن.
[25] الكافي 2: 307/1. باب العصبية.
[26] سنن أبي داود 7: 441/5121.
[27] الخصال 1: 106.
[28] بحار الأنوار 64: 311.
[29] الخصال 1: 53.
[30] نهج البلاغة: 145. الخطبة: 125.
[31] بحار الأنوار 66: 170.
[32] الأنبياء: 92.
[33] الكافي 2: 636/5. باب ما يجب من المعاشرة.
[34] الكافي 2: 635/2. باب ما يجب من المعاشرة.
[35] الكافي 2: 636/4. باب ما يجب من المعاشرة.
[36] الكافي 2: 635/3. باب ما يجب من المعاشرة.
[37] الكافي 2: 635/1. باب ما يجب من المعاشرة.
[38] هو أحمد بن محمد بن سعيد الهَمْداني المشهور بابن عُقدَة (وفاة 332هـ)، محدّث شيعي، ومن أتباع الجارودية (من فرق الزيدية)، وحظي بالقبول في أوساط الإمامية؛ حيث رُويت عنه روايات كثيرة في الكتب الأربعة الشيعية. وصفه الشيخ الطوسي بأنه ثقة، حافظ، جليل القدر، عظيم المنزلة. من مؤلفاته: كتاب (الرجال)، وهو كتاب ألّفه ابن عقده حول الرواة عن الإمام الصادق (ع)، ودوّن فيه من رجاله المعروفين من الفريقين أربعة آلاف رجل، وأخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه، وقد استفاد الشيخ الطوسي من هذا الكتاب بأكمله في تأليف رجاله. انظر: (الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10: 86؛ والفهرست للطوسي: 73/86 – 24. باب أحمد؛ ورجال الطوسي: 104/5949 – 30).
[39] رجال النجاشي: 31 – ترجمة الوشاء.
[40] الأنبياء: 92.
[41] الأنفال: 46.
[42] النساء: 59.
[43] نهج البلاغة: 15. الخطبة: 3 المعروفة بـ (الشقشقية).
[44] نهج البلاغة: 389. الكتاب: 62.
[45] نهج البلاغة: 69. الخطبة: 73.
[46] المائدة: 2.
[47] الكافي 2: 175/2. باب التراحم والتعاطف.
[48] الكافي 2: 175/3. باب التراحم والتعاطف.
[49] وسائل الشيعة 16: 337/3. الباب 18 من أبواب فعل المعروف.
[50] الخصال 1: 149.
[51] المصدر نفسه.
[52] المؤمنون: 52.
[53] الأنبياء: 92.
[54] التوبة: 31.
[55] المائدة: 55.
[56] الأنفال: 72.
[57] الأنفال: 73.
[58] سورة الكافرون.
[59] صحيح مسلم 3: 1459/1829.
[60] وسائل الشيعة: 15: 141/1. الباب 59 من أبواب جهاد العدو.
[61] الكافي 2: 163/1. باب الاهتمام بأمور المسلمين.
[62] آل عمران: 110.
[63] سنن الترمذي 4: 325/1927.
[64] مسند أحمد 33: 242/ 20043.
[65] رواه ثقاة المحدّثين من الفريقين مع اختلافات يسيرة.
[66] المحاسن للبرقي 1: 285/426.
لقراءة بقية المقالات اضغط هنا
