موقف الإسلام من القومية

تحقيق وتصحيح: حسين اليوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
<يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ>[1].
تتناول آية سورة الحجرات موقف الإسلام من مسألة (القومية) في ثلاث نقاط:
- الجانب التكويني من مسألة القومية، وهو قوله تعالى: <يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ>.
- الجانب الوظيفي من هذه المسألة، وهو قوله تعالى: <لِتَعَارَفُوا>.
- الجانب القيمي من هذه المسألة، وهو قوله تعالى: <إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ>.
وسوف نتناول في هذه الدراسة – إن شاء الله – هذه النقاط الثلاث من البحث باختصار.
1- الجانب التكويني
<إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ>.
الجزء الأول من الآية الكريمة يقرّر أنّ مسألة تعددية الشعوب والقبائل قائمة في صلب التكوين، وليس هذا الاختلاف والتعدد في الأقوام والشعوب والقبائل مما انتحله الإنسان واختلقه مما ليس في صلب التكوين.
ففي هذه الآية ينسب القرآن الكريم مسألة التعددية في الشعوب والقبائل إلى الله تعالى مباشرة <وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ>. وهو صريح في نسبة هذا الأمر إلى الله تعالى.
كما أنّ الآية الكريمة تعطف جملة <وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ> على قوله تعالى: <إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى>، وهو صريح في أنّ مسألة تعدد الشعوب والقبائل من أمر الله تعالى، وما كان من أمر الله تعالى فهو قائم في صلب التكوين.
وفي سورة الروم يعدّ القرآن اختلاف الألوان والألسن من آيات الله تعالى. يقول تعالى:
<وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ>[2].
وسياق هذه الآيات في سورة الروم سياق الرحمة. ولنقرأ الآية السابقة لها واللاّحقة، يقول تعالى:
<وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ>[3].
<وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ>[4].
<وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ>[5].
والآيات بسياقها تدل على أنّ هذا الاختلاف والتعدد أمر من الله تعالى ورحمة منه، وهو قائم في صلب التكوين، وليس مما أضافه الإنسان إلى حياته وانتحله مما ليس في تكوينه.
العوامل الثلاثة المكوّنة للشعوب والقبائل
تدخل في تكوين الشعوب والقبائل ثلاثة عوامل؛ وهي:
- العوامل المكونة لشخصية الإنسان داخل النفس من الفطرة، والغريزة، والضمير، والعقل، والإرادة.
- البيئة والمحيط والوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه الشعوب والقبائل. ونقصد بهذا العامل مجموعة العوامل التي تؤثر في بناء وتكوين شخصية الإنسان خارج النفس، وتدخل في ذلك الرسالات الإلهية والثقافة والتقاليد والأعراف والخبرات العلمية التي تتكون في البيئة بسبب العوامل المختلفة الفاعلة في حياة الإنسان من الحرب والسلم والتجارة والفقر والثراء والجدب والخصوبة والمناخ والأنظمة الحاكمة والأمن والخوف والمرض والسلامة، والأوضاع الطبيعية الأخرى في البيئة…
وهذه مجموعة واسعة من العوامل تدخل عبر التاريخ في تكوين الحالة الحضارية، والأعراف، والتقاليد، والقيم، والأخلاق، وأصول العلاقة الاجتماعية والزوجية، ونمط الحياة لكل بيئة ولكل شريحة اجتماعية – من الشعوب والقبائل والأقوام – تسكن هذه البيئة أو تلك، كما تدخل في تكوين الخبرات الاجتماعية لهذه الشرائح.
وتتفاعل العوامل من الطائفة الأولى والعوامل من الطائفة الثانية في تكوين شخصية الشرائح الاجتماعية.
ولنُسمّ الطائفة الأولى من العوامل بالعوامل الداخلية، والطائفة الثانية بالعوامل الخارجية.
إنّ التفاعل الذي يتم بين هاتين الطائفتين من العوامل يؤثّر في بلورة وتكوين شخصية الشعوب.
وليس من شك أنّ الطائفة الأولى من العوامل لها دور فاعل ومؤثر في تصفية وتنقيح العوامل من الطائفة الثانية، إلاّ أنّ من الحق أيضًا أنّ الطائفة الأولى تتأثر بالطائفة الثانية أيضًا.
وتتبلور وتتكون شخصية الشعوب الحضارية بفعل هذين العاملين.
- الوراثة: وهذه ثالثة العوامل المكونة للشعوب والأقوام والقبائل.
ومهمة هذا العامل نقل المقوّمات التي تكوّن المقوّمات الحضارية للأمة من جيل إلى جيل.
ودور الوراثة ليس فقط نقل الحالة الحضارية والعلمية من جيل إلى جيل؛ بل تتجاوز هذه المهمة إلى تعميق وتأصيل الحالات الحضارية والخبرات العلمية، فإنّ الجيل الذي يستلم المواريث الحضارية والعلمية يقوم بدور تأصيل وتعميق وتكميل هذه المواريث ليسلّمها إلى الجيل الذي يأتي من بعده من نفس الشريحة الاجتماعية.
ولولا جسور الوراثة في الحضارة والعلم.. لم يتمكن الإنسان أن يتجاوز المراحل الأولى البدائية من تاريخه الحضاري والعلمي.
وكل ما عندنا اليوم من المواريث الحضارية والعلمية انتقل إلينا عبر هذه الجسور، وهذه العوامل الثلاثة بالإجمال هي التي تكوّن الشخصية الحضارية والعلمية للشعوب والأقوام والأمم.
وبناءً على هذا التصوّر، فإنّ كل شريحة اجتماعية من شعب أو قبيلة يعتبر تراكمًا من المواريث الحضارية والعلمية، تكونت وتبلورت وتأصلت خلال التاريخ، وانتقلت من جيل إلى جيل بفعل عامل الوراثة.
وكلمة (الشعوب والقبائل) في الآية الكريمة تعني في التحليل العلمي لهذه الكلمة هذا التراكم من المواريث الحضارية والعلمية، بما في ذلك اللغة، فإن اللغة عامل أساسي في التعبير عن هذا الميراث الحضاري والعلمي وفي نقل هذا الميراث، وهذا هو تعريفنا الذي نتلزم به، للأقوام والشعوب. وبناءً على هذا التعريف؛ فإنّ القومية حالة حضارية وثقافية ولغة معيّنة للتعبير عن هذه الحالة الحضارية والثقافية.
وبهذا التحليل، نجد أنّ الشعوب والقبائل والأقوام قضايا حقيقية داخلة في صلب التكوين، وليس مما انتحله الإنسان وأضافه إلى حياته ممّا ليس في أصل التكوين.
2- الجانب الوظيفي
<لِتَعَارَفُوا>: إذا عرفنا أنّ تعدد الأقوام والشعوب مسألة حقيقية داخلة في صلب (التكوين) ومما جعله الله تعالى في صلب حياة الإنسان الاجتماعية، ننتقل إلى الجانب الوظيفي من هذه القضية.
لقد نهض الإسلام بدور توجيهي لتوظيف هذه الحالة من التعدّدية التكوينية في الشرائح الاجتماعية لتكامل الإنسان من خلال عملية التلاقح الحضاري القائمة على أساس التعارف والتلاقي والتعامل.
وإلى هذا التوظيف تشير الآية الكريمة من سورة الحجرات بقوله تعالى: <لِتَعَارَفُوا>.
فإنّ للتعارف مفهومًا واسعًا يشمل المراحل المختلفة للّقاء والتلاقح الحضاري؛ بدءًا بالتعارف، ومرورًا باللقاء والتعامل والتعاون، وتبادل الخبرات والإمكانات، والتبادل الثقافي والحضاري.
وهذه المفاهيم والمعاني منطوية جميعًا في كلمة «التعارف»، فإنّ التعارف يستتبع العلاقة بمختلف أشكالها من العلاقات الاقتصادية إلى السياسة والاجتماعية.
والعلاقة تستتبع تبادل الخبرات والكفاءات والإمكانات والثقافات والقيم والأعراف والمسائل الحضارية الأخرى.
وبذلك؛ فإنّ (التعارف) الذي تشير إليه الآية الكريمة هو أساس (التلاقح الحضاري)، والتلاقح في سنن الله تعالى في الكون أساس للتكامل.
والإنسان يتكامل من خلال هذا التلاقح والأخذ والعطاء، فيأخذ من الآخرين أفضل ما عندهم، كما يأخذ الآخرون منه أفضل ما عنده من ذلك كلّه.
وكذلك يصحّح الإنسان أخطاءه بما يصحّ عنده من أعمال الآخرين، ويصحح الآخرون كذلك أخطاءهم بما يصحّ عندهم من أفعاله، وهكذا.. يتكامل ضمن منهج اللقاء الحضاري الذي يصفه القرآن بـ (التعارف).
ويوظّف الإسلام هذه الحالة من التعدّدية في الشعوب والأقوام لتكامل الإنسان من خلال منهج (التعارف).
ولو أنّ الناس كانوا كتلة واحدة، وثقافة واحدة، وحضارة واحدة، ولغة واحدة، لما وجدوا مثل هذه الفرصة التي أتاحها الله تعالى له للتلاقح والتكامل الحضاري من خلال منهج (التعارف).
المنهج القرآني لـ (التعارف)
والقرآن الكريم يقرر لمبدأ (التعارف) منهجًا علميًا متكاملًا.
وهذا المنهج نجده في سورة الزمر في صفة المؤمنين: <الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ>[6].
وهذه الآية الكريمة تنظّم عملية التعارف والتلاقح الحضاري والتكامل من خلال نقطتين:
- الانفتاح.
- الانتقاء.
والاستماع هو الانفتاح، وهو مما يحبّه الله تعالى، فليس من صفة المؤمن أن ينغلق على قول ويصمّ أذنه عنه.
ولا يضرّ المسلم إذا تسلح بالوعي والبصيرة أن ينفتح على قيم الآخرين وثقافاتهم وأعرافهم وأصولهم ومفاهيمهم، فضلًا عن خبراتهم وعلومهم، فإنّ الانفتاح من خصال المؤمنين.
والانغلاق من خصال الكافرين الذين يأخذون أفكارهم وأصولهم عن تقليد وعن غير وعي.
والله تعالى يذم المقلدة الذين ينغلقون على دعوة الله ورسله، ويقتصرون على اتّباع الآباء ولو كانوا على غير هدى. يقول تعالى:
<وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ>[7].
<وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ>[8].
<وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ>[9].
وعن لسان أنبياء الله، يقول القرآن:
<قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ 77 قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ>[10].
<وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ 51 إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ 52 قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ 53 قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ 54 قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ>[11].
<وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ 69 إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ 70 قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ 71 قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ 73 قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ>[12].
إذًا؛ القرآن يؤكد حالة الانفتاح والاستماع إلى الآخرين، ويشجب ويرفض حالة الانغلاق. وهذه هي النقطة الأولى في منهج التعارف، وهو قوله تعالى في آية الزمر: <الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ>.
والنقطة الثانية من منهج (التعارف) هي انتقاء الأحسن، وهو قوله تعالى: <فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ>.
ولابد في التلاقح الحضاري والتكامل من (الانفتاح) ومن (الانتقاء) معًا، والانفتاح من دون الانتقاء لا ينفع، ولا يتم الانتقاء من دون الوعي والتعقل.
وإذا كان التعارف والانفتاح والانتقاء هو التوظيف الصحيح لمسألة تعددية الأقوام والشعوب في المنهج الإسلامي، فإنّ التوظيف الخاطئ لحالة تعددية الأقوام والشعوب هو أن ينحاز الإنسان إلى قومه وشعبه في حق أو باطل. وسوف نتحدث – إن شاء الله – عن (الحَميّة، والعصبية) عند بحث الجانب التقييمي من مسألة القومية.
مفتاح (العالمية) الجديدة
وآية سورة الزمر مفتاح التصور الإسلامي الجديد للعالمية.
وهذا المفتاح يتكون من جزأين: الانفتاح والانتقاء الواعي.
وهذا المفتاح يفتح عقل الإنسان وقلبه على التاريخ وكل العالم، ولا يبقى أمام عقله وقلبه باب موصد لا يحق له أن يدخله، بشرط أن يكون هذا الانفتاح عن وعي وتعقّل.
النظرية الإسلامية العالمية ليس فقط لا تلغي تعددية الأقوام والشعوب؛ بل تعتمدها، وتعترف بها، وتنطلق منها، وتضع على أساسها نظريتها الجديدة في العالمية، وتوظّفها وتحقق هذه النظرية ضمن منهج علمي صحيح يقوم على أساس من الانفتاح والانتقاء الواعي.
3- الجانب القيمي
<إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ>.
ماهي القيمة؟
نقصد بالقيمة المقاييس والأسس التي نستطيع أن نميّز بها الناس ونقدّم منهجًا ونؤخر آخر، عندما يتطلب الأمر منّا التقديم والتأخير. فإنّ كثيرًا من المواقف والأعمال الاجتماعية والسياسية والحركية وغيرها، تضطرّنا إلى الموازنة بين الناس من خلال تقديم بعضهم على بعض عندما نضطر إلى التقديم والتأخير، أو الفصل والحسم في الأمور، عندما يتطلب الأمر منّا الحسم والفصل.
والمعايير والأسس التي تتم بها هذه الموازنة والفصل والحسم هو ما نقصده بالقيم. كما أنّ الإنسان لابد أن يسلك بنفسه طريقًا للتكامل، ولابدّ أن يسلك بمن يريد أن يربّيه وينشئه طريقًا للتكامل.
والنقاط والغايات التي يطلبها الإنسان في هذه المرحلة من السلوك إلى الكمال وإلى الله تعالى هي (القيم). وبناء على ذلك؛ فإنّ التقييم مسألة هامة في حياة الإنسان، وتختلف المذاهب والمدارس في أنظمة التقييم، فما هو رأي الإسلام في التقييم؟ هل هو الانتماء الإنساني؟ أو الانتماء العشائري؟ أو الانتماء القومي؟ أو العلم؟ أو المال؟ أو القوة؟ أو الفضيلة؟ وما هي الفضيلة التي تعتبر أساسًا للتقييم؟
وهذه القيم هي الأساس في (الحب) و(البغض) و(الموقف) و(الموازنة) و(التقديم) و(التأخير) و(الفصل) و(التربية)، وفي كثير من شؤون الإنسان وحياته.
نظام التقييم في الإسلام
للإسلام نظام خاص للتقييم، وهذا النظام يختلف اختلافًا جوهريًا عن سائر الأنظمة التقييمية في الحضارات الجاهلية، ولو أننا عرفنا النظام العام للتقييم في الإسلام، لا نتردد كثيرًا في مفردات الحالات التي تتطلب منا رأي الإسلام فيها. ولهذا النظام وجه إيجابي وآخر سلبي، ومن دون أن يقترن هذان الوجهان ونوظفهما معًا لا نستطيع أن نفهم النظام الذي يرسمه الإسلام لتقييم الأفراد والجماعات والحالات الإنسانية.
وسوف نستعرض في هذه الدراسة الوجه الإيجابي لنظام التقييم في الإسلام أولًا، ثمّ نستعرض الوجه السلبي لهذا النظام ثانيًا.
أوّلًا: الوجه الإيجابي لنظام التقييم
يجعل الإسلام (التقوى) و(الاستقامة) على حدود الله وصراطه المستقيم الأساس في التقييم، ويعتبر (التقوى) المعيار والميزان الذي يجب علينا أن نقيّم به الأفراد والفئات والجماعات، وهو الغاية التي يطلبها الإنسان في طريقه إلى الكمال وطريقه إلى الله تعالى.
يقول تعالى في آية سورة الحجرات موضوع هذا البحث: <إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ>، وهي صريحة وواضحة في أنّ الله تعالى جعل (التقوى) أساسًا للتفاضل والموازنة والتقديم والتأخير بين عباده، والغاية التي يطلبها الإنسان في طريقه للكمال، وأنّ القيمة ما كان عند الله قيمة، وهذا النظام للتقييم (عند الله) هو: <إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ>، ونظام التقييم هذا قد يختلف عمّا بأيدي الناس من أنظمة ووسائل للتقييم.
التقوى أساس البنيان
وجعل الله تعالى (التقوى) الأساس الذي يجب علينا أن نقيّم عليه كل بنيان لنا في الحياة؛ من البنيان السياسي، إلى الحركي، إلى الاقتصادي، إلى العائلي، إلى العلاقات الاجتماعية. وكل بنيان للإنسان يعتمد التقوى، فهو يقوم على أساس ثابت ومتين، وكل بنيان لا يقوم على هذا الأساس، فهو على شفا جرف هارٍ، لا يعلم الإنسان متى ينهار تحت قدمه. يقول تعالى: <أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 109 لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ>[13].
إذًا؛ التقوى هي أساس التقييم والتقديم عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، على خلاف كثير من الناس، وبعكس الكافرين الذين زُيّن لهم متاع الحياة الدنيا، وحرمهم الله بأعمالهم عن الآخرة. يقول تعالى:
<زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ>[14].
والله تعالى يدعو عباده أن يأخذوا الهدى والنور من عنده، ولن يجدوه عند غير الله تعالى: <قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ>[15].
<هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ>[16].
فالهدى والبصائر والرحمة، كلّه من عند الله تعالى، وليس عند غير الله من النور والهدى والبصيرة والرحمة شيء.
القيَم وضدّ القيَم
وبناء على هذه الحقيقة الهامة – وهي أنّ الهدى من الله لا غير – فإنّ القيمة ما كان عند الله قيمة، وما لم يكن عند الله قيمة فليس بقيمة. وفي ضوء ذلك نستطيع أن نحدد القيم بما يحبه الله، وضد القيم بما لا يحبه الله، فما أحب الله قيمة، وما لم يحبه الله ضد القيمة.
ولننظر إلى طائفة من القيم وضد القيم على ضوء القرآن:
القيم عند الله
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ>[17].
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ>[18].
<فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ>[19].
<وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ>[20].
<وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ>[21].
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ>[22].
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ>[23].
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ>[24].
<وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ>[25].
<إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ>[26].
ضد القيم عند الله
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ>[27].
<وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ>[28].
<وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ>[29].
<فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ>[30].
<وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ>[31].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا>[32].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا>[33].
<لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ>[34].
<وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ>[35].
<وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ>[36].
<إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ>[37].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ>[38].
<إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ>[39].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ>[40].
<لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ>[41].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ>[42].
<إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ>[43].
التقوى وآثارها ونتائجها في القرآن
التقوى هي الاستقامة على صراط الله المستقيم والالتزام بحدود الله. وفيما يلي نشير إلى بعض خصائص ومقومات وآثار التقوى من خلال القرآن:
- تعتمد التقوى (التوحيد) و(الإيمان بالغيب) و(الإيمان برسالات الله) أساسًا وقاعدة. يقول تعالى: <الم 1 ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ>[44].
- والتقوى خير ما يحمله الإنسان من الزاد من الدّنيا إلى الآخرة: <وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ>[45].
- والتقوى من أفضل وأبرز مصاديق البِرّ والإحسان في حياة الإنسان: <وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ>[46]، وهي قرين البِرّ في القرآن: <وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ>[47]، وهي قرين العدل: <اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ>[48]، وقرين الصدق <أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ>[49]، وقرين الإصلاح: <فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ>[50].
- والتقوى لباس يستر الإنسان من الذنوب والسيئات كما يستر الثوب الجسم من الأذى والضرر، ولباس تستر سوءات الإنسان كما يستر اللباس عورة الإنسان: <يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ>[51].
- والمتقون هم أولياء الله: <إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ>[52].
- والله مع المتقين، ولهم في حياتهم معية الله تعالى. وهي أعز ما يمكن أن يكسبه الإنسان في حياته: <إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ>[53]، <وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ>[54].
- والمتّقون يرضون بكل قضائه وقدره، فلا يجد الخوف والحزن إلى نفوسهم سبيلًا بقوله تعالى: <فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ>[55].
- والعاقبة للمتقين: <فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ>[56]، <إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ>[57]، <وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ>[58]، <إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا 31 حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا>[59]، <مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ>[60]، <وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ>[61].
- وبالتقوى ييسر الله تعالى أمور عباده: <فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ 5 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ 6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ>[62]. <وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا>[63]. <وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا>[64].
- وبالتقوى يفتح الله تعالى بركات السماء والأرض على عباده: <وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ>[65].
- وبالتقوى يطرد الله الشيطان عن الإنسان ويذكّره ويبصّره، فيشعر بخطر الشيطان: <إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ>[66].
- وبالتقوى يتقبل الله تعالى الأعمال من عباده: <إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ>[67].
- والتقوى من مصادر الوعي والبصيرة في نفس الإنسان: <وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ>[68].
- والتقوى فرقان بين الحق والباطل في النفس، ولا يلتبس أمر الحق والباطل على الإنسان إذا أخذ بالتقوى: <يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا>[69].
- والتقوى تبصّر الإنسان بآيات الله، وتذكّره بالله تعالى: <إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ>[70].
- وبالتقوى يكفّر الله تعالى سيئات الناس: <وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا>[71].
- وبالتقوى ينجّي الله تعالى المتقين من نار جهنم: <ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا>[72].
- وبالتقوى والصبر يدفع الله عن المؤمن كيد الظالمين: <وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا>[73].
- وبالتقوى يعد الله تعالى عباده بالنصر في ساحات القتال: <بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ>[74].
- والتقوى من عزم الأمور: <وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ>[75].
العلاقة بين الجوانب الثلاثة في آية الحجرات
والجوانب الثلاثة التي في آية الحجرات يرتبط بعضها ببعض؛ فإنّ (الجانب التكويني)، وهو اختلاف الشعوب والقبائل والأقوام وهو مفتاح الجانب الوظيفي، يتيح الفرصة للناس للتعارف واللقاء وتبادل القيم والأصول والأفكار والكفاءات على أساس من الانفتاح والانتقاء.
و(الجانب الوظيفي) مفتاح الجانب القيمي في هذه المسألة، فإنّ التوظيف الصحيح لحالة التعدد في الشعوب والقبائل والأقوام في أمر التعارف واللقاء الحضاري يؤدي إلى تقويم سلوك الإنسان، وتقويم السلوك وضبطه على أساس (التقوى).
إذًا؛ هذه الجوانب الثلاثة في آية الحجرات يرتبط بعضها ببعض في التحليل الدقيق لهذه المسألة.
الأمّة الواحدة
<إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>[76].
هذه رؤية جديدة للعالمية يقرّرها القرآن الكريم على أساس أنّ جميع الشعوب والأقوام والقبائل هم أمة واحدة يلتقي عندها الجميع.
والأمة الواحدة تنطلق من الاعتراف بتعدد الشعوب والقبائل والأقوام، ولكن بتوظيف صحيح لحالة التعدد في الشرائح البشرية على منهج <الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ>.
والأمة الواحدة حالة حضارية قائمة على أساس (التوحيد) و(التقوى).
<وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ>.
<إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ>.
وهذا هو الوجه الإيجابي من نظام التقييم في الإسلام.
ثانيًا: الوجه السلبي لنظام التقييم
ولنظام التقييم في الإسلام وجه آخر سلبي، ولا يكتمل من دونه نظام التقييم كنظام شامل متكامل.
وفي هذا الوجه، يهدم الإسلام أسس ومعايير التقييم التي تعتمدها الجاهلية في التقديم والتأخير، والحسم والفضل، والحب والبغض، والتقريب والإبعاد، والولاء والبراء، والدفاع والهجوم.
وهذه الأسس تقوم على أساس الانتماء القومي والطبقي والعشائري والإقليمي؛ لا التوحيد والتقوى والحق، ويشجب الإسلام اعتبار هذه الأمور أسسًا ومعايير للتقييم. وفيما يلي ننقل طائفة من النصوص الإسلامية في هذا الشأن:
- روى المفسرون في شأن نزول هذه الآية الكريمة عن ابن عباس أنه: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا حَتَّى عَلَا عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ فَأَذَّنَ.
فَقَالَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَبَضَ أَبِي حَتَّى لا يرى هذا اليوم، وقال الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: مَا وَجَدَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ هَذَا الْغُرَابِ الْأَسْوَدِ مُؤَذِّنًا.
وَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ شَيْئًا يُغَيِّرْهُ.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي لَا أَقُولُ شَيْئًا أَخَافُ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ رَبُّ السَّمَاءِ.
فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَدَعَاهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَمَّا قَالُوا فَأَقَرُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، زَجَرَهُمْ عَنِ التَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ، وَالتَّكَاثُرِ بِالْأَمْوَالِ، وَالِازْدِرَاءِ بِالْفُقَرَاءِ، فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّقْوَى[77].
- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنّ اللهَ قد أذهبَ عنكم عيبة الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا. فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ. وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: <يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ>»[78].
- وخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ على بعير، فقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا عَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ليبلغ الشاهد الغائب»[79].
- ومن حديث آخر عن رسول الله (ص): «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَحْسَابِكُمْ وَلَا إِلَى أَنْسَابِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ صَالِحٌ تَحَنَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَأَحَبُّكُمْ إِلَيْهِ أَتْقَاكُمْ»[80].
- وَأخرج الْبَزَّار عَن حُذَيْفَة (رَضِي الله عَنهُ)، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «كلكُمْ بَنو آدم، وآدَم خُلق من تُرَاب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أَو لَيَكُونن أَهْون على الله من الْجعلَان»[81].
- وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع)، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ؛ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ بِالْإِسْلَامِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّفَاخُرَ بِآبَائِهَا وَعَشَائِرِهَا. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ طِينٍ، أَلَا وَإِنَّ خَيْرَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَأَكْرَمَكُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ أَتْقَاكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لَهُ، أَلَا وَإِنَّ الْعَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ بِأَبٍ وَالِدٍ، وَلَكِنَّهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ، فَمَنْ طُعِنَ بَيْنَكُمْ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُبْلِغُهُ رِضْوَانَ اللَّهِ حَسَبَهُ. أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ أَوْ مَظْلِمَةٍ أَوْ إِحْنَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ مَطْلٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة»[82].
العصبية والحمية
وفي مقابل (العالمية) و(الانفتاح) الذي يدعو إليهما الإسلام، تقع العصبية والحمية الجاهلية.
وهي حالة الانغلاق القومي والعشائري والفئوي وتحيّز الإنسان إلى قومه وعشيرته وفئته في حق أو باطل، وهي حالة معاكسة لحالة (الأمة الواحدة) التي يدعو إليها القرآن من ناحيتين: الانفتاح أوّلًا، واتخاذ التقوى والحق مقياسًا ثانيًا. وهذه هي حالة (الحمية الجاهلية) المذمومة في النصوص الإسلامية.
وفيما يلي نروي في خاتمة هذه الدراسة طائفة من هذه النصوص:
- وعن دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِه»[83].
- وعَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: «مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ، خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِه»[84].
- وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، قَالَ: «مَنْ تَعَصَّبَ، عَصَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِصَابَةٍ مِنْ نَار»[85].
- وعن رسول الله(ص): «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ»[86].
ولابد من توضيح لهذه النقطة:
ليس من العصبية ان يحب الإنسان قومه، وليس من العصبية أن يعينهم أو يدفع عنهم، ولكن من العصبية أن يعين الإنسان قومه في ظلم ويحبهم ويدافع عنهم على باطل.
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) عَنِ الْعَصَبِيَّةِ، فَقَالَ: «الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَار قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ. وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ»[87].
وعَنْ بِنْتِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: «أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ»[88].
[1] الحجرات: 13.
[2] الروم: 22.
[3] الروم: 21.
[4] الروم: 22.
[5] الروم: 23.
[6] الزمر: 18.
[7] المائدة: 104.
[8] البقرة: 170.
[9] لقمان: 21.
[10] يونس: 77-78.
[11] الأنبياء: 51-53.
[12] الشعراء: 69-74.
[13] التوبة: 109-110.
[14] البقرة: 212.
[15] الأنعام: 71.
[16] الأعراف: 203.
[17] البقرة: 195.
[18] البقرة: 222.
[19] آل عمران: 76.
[20] آل عمران: 134.
[21] آل عمران: 146.
[22] آل عمران: 159.
[23] الممتحنة: 8.
[24] التوبة: 4.
[25] التوبة: 108.
[26] الصف: 4.
[27] البقرة: 190.
[28] البقرة: 205.
[29] البقرة: 276.
[30] آل عمران: 32.
[31] آل عمران: 57.
[32] النساء: 36.
[33] النساء: 107.
[34] النساء: 148.
[35] المائدة: 64.
[36] البقرة: 190.
[37] الأعراف: 31.
[38] الأنفال: 58.
[39] النحل: 23.
[40] الحج: 38.
[41] القصص: 76.
[42] القصص: 77.
[43] لقمان: 18.
[44] البقرة: 1-4.
[45] البقرة: 197.
[46] البقرة: 189.
[47] المائدة: 2.
[48] المائدة: 8.
[49] البقرة: 177.
[50] الأعراف: 35.
[51] الأعراف: 26.
[52] الأنفال: 34.
[53] النحل: 128.
[54] البقرة: 194.
[55] الأعراف: 35.
[56] هود: 49.
[57] الأعراف: 128.
[58] ق: 31.
[59] النبأ: 31-32.
[60] الرعد: 35.
[61] آل عمران: 133.
[62] الليل: 5-7.
[63] الطلاق: 2-3.
[64] الطلاق: 4.
[65] الأعراف: 96.
[66] الأعراف: 201.
[67] المائدة: 27.
[68] البقرة: 282.
[69] الأنفال: 29.
[70] يونس: 6.
[71] الطلاق: 5.
[72] مريم: 72.
[73] آل عمران: 120.
[74] آل عمران: 125.
[75] آل عمران: 186.
[76] الأنبياء: 92.
[77] تفسير القرطبي 16: 341.
[78] المصدر نفسه.
[79] المصدر نفسه: 342.
[80] المصدر نفسه.
[81] الدر المنثور 7: 592.
[82] بحار الأنوار 21: 138.
[83] بحار الأنوار 70: 291.
[84] المصدر نفسه.
[85] المصدر نفسه.
[86] سنن أبي داود 4: 332/5121.
[87] أصول الكافي 2: 308/7. باب العصبية.
[88] سنن أبي داود 4: 331/5119.