مقالات

العلاقة العضوية بين الإيمان والهجرة والجهاد

تحقيق وتصحيح: حسين اليوسف

الإيمان والهجرة والجهاد في القرآن

يتكرّر في القرآن الكريم ذكر (الإيمان) و(الهجرة) و(الجهاد) بهذا التسلسل في أكثر من موضع، وإليك بعض هذه المواضع:

يقول تعالى: <إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ>[1].

<إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ>[2].

ويقول تعالى: <الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ>[3].

ما هي العلاقة العضويّة بين (الإيمان) و(الهجرة) و(الجهاد)؟

ثمّ ما هو سرّ هذا التسلسل الذي يتكرّر في القرآن بين هذه المفردات الثلاث بنسق واحد؟

أوّلاً: العلاقة العضويّة بين (الإيمان) و(الهجرة) و(الجهاد)

ليس المقصود بالإيمان في هذه الآيات المباركة – والله أعلم – الإيمان بأنّ الله تعالى هو خالق الكون فقط، ولا نجد في تاريخ الصراع بين التوحيد والشرك خلافاً جوهريّاً في هذه المسألة.. فقد كان المشركون في الأعمّ الأغلب يؤمنون بهذه الحقيقة، وفيما نقرأ من آيات كتاب الله، لا نجد أنّ المشركين كانوا يشكّكون بهذه الحقيقة، إلاّ في مواضع نادرة لا تعتبر أساساً للصراع.

وإنما الخلاف بين حركتي[4] (التوحيد) و(الشرك) في ولاية الله تعالى وسيادته وحاكميّته على حياة الإنسان وعدمها. وإثبات الولاية والحاكميّة لله تعالى في حياة الإنسان يؤدِّي بالضرورة إلى نفي الولاية والسيادة لغير الله تعالى على الإنسان. وهذا هو السبب الأساس والحقيقي للصراع بين حركة التوحيد والشرك، فإنّ جوهر هذا الصراع هو الخلاف على (الحاكميّة) و(السيادة) و(الولاية) في حياة الإنسان.

العلاقة بين الخلق والأمر

القرآن الكريم صريح في أنّ الإيمان بأنّ الله تعالى هو الخالق المهيمن يؤدِّي بالضرورة إلى الإيمان بأنّه تعالى هو الحاكم والآمر والناهي في حياة الإنسان.

يقول تعالى: <خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ>[5].

ويقول تعالى: <أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ>[6].

وحيثيّات العلاقة بين القضيّتين في هاتين الآيتين الكريمتين واضحة، فإنّ الإيمان بأنّ (الخلق لله) يستلزم الإيمان بأنّ (الأمر لله): <أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ>.

والقضيّة التي تدخل في دائرة الصراع بين التوحيد والشرك هي توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة والأمر والولاية على حياة الإنسان، وليس توحيد الله تعالى بالخلق والهيمنة على الكون. يقول تعالى:

<إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ>[7].

وهذا هو البُعد الأوّل لقضيّة التوحيد.

والبُعد الثاني هو رفض ولاية الطاغوت. يقول تعالى:

<يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ>[8].

والطاغوت: كلّ من يحكم بغير حكم الله في حياة الإنسان.

وقد جمعت آية سورة النحل هذا البعد وذاك في سياق واحد: <أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ>[9]. والإيمان بهذا المعنى يتطلّب أمرين اثنين:

الأمر الأوّل: الانفصال عن حزب الطّاغوت، وهذا هو (الهجرة) و(الاعتزال).

والأمر الثاني: مواجهة الطّاغوت وحزبه، وهو (الجهاد).

ثانياً: سرّ التسلسل بين (الإيمان) و(الهجرة) و(الجهاد)

ويؤكِّد القرآن – بالإضافة إلى العلاقة العضويّة بين القضايا الثلاث (الإيمان والهجرة والجهاد) – على التسلسل بين هذه القضايا.

وفيما يلي نقدِّم توضيحاً موجزاً لهذا التسلسل المذكور في القرآن.

البُعد الإيجابي والسّلبى لدعوة الأنبياء (ع)

إنّ دعوة الأنبياء (ع) تتلخّص في كلمتين اثنتين كما ذكرنا:

  1. طاعة الله ورسوله.
  2. رفض طاعة الطّاغوت.

يقول تعالى عن لسان المسيح بن مريم (ع) في دعوته لبني إسرائيل: <فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 50 إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ>[10].

وعن دعوة نوح (ع)، يقول تعالى: <كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ 105 إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ 106 إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ 107 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 108 وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ 109 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ>[11].

وعن دعوة هود (ع)، يقول تعالى: <كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ 141 إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِـحٌ أَلَا تَتَّقُونَ 142 إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ 143 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 144 وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ 145 أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ 146 فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 147 وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ 148 وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ 149 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ>[12].

وعن دعوة لوط (ع)، يقول تعالى: <كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ 160 إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ 161 إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ 162 فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ>[13].

وهذه هي خلاصة دقيقة للبعد الأوّل من دعوة الأنبياء (ع)، وتتلخّص في تطبيق طاعة الله تعالى <اتَّقُوا اللَّهَ>، فإنّ التقوى هي طاعة الله في الحلال والحرام، وطاعة الأنبياء <وَأَطِيعُونِ>، وطاعة الأنبياء من طاعة الله سبحانه، ولا طاعة للأنبياء من غير أمر الله تعالى وإذنه.

وهذا هو البعد الأوّل لدعوة الأنبياء (ع).

والبعد الثاني لدعوة الأنبياء (ع)، هو رفض أمر المسرفين والنّهي عن طاعة الظالمين والطّاغوت وأئمّة الكفر.

يقول تعالى عن دعوة صالح (ع): <فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 150 وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ 151 الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ>[14].

ويقول تعالى: <وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ 17 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ>[15].

ويقول تعالى: <وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ>[16].

ويقول تعالى: <يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ>[17].

الطّبيعة الحركيّة والتغييريّة للإيمان

والإيمان بهذين البُعدين ليس أمراً نظريّاً في دائرة علاقة الإنسان بالله تعالى، وإنّما هو منهج عمليّ لخروج الإنسان من دائرة الطّاعة لغير الله والدّخول في دائرة طاعة الله تعالى، ورفض ونقض كلّ طاعة لغير الله، وبناء المجتمع على منهج توحيد الطّاعة لله.

والإيمان بهذا المعنى، هدم وبناء، ومنهج تغييري متكامل، لنقض كل حاكميّة في الأرض عدا حاكميّة الله تعالى، وتحرير الإنسان من كل سيادة وحاكميّة إلاّ ولاية الله تعالى.

ومن الطّبيعيّ أنّ الإيمان بهذا المعنى الحركيّ، أمر يغيظ الطّاغوت ويعتبر تحدِّياً لسلطانه ونفوذه.

ومن الطّبيعيّ أن لا يسمح أئمّة الكفر لمثل هذه الدعوة أن تمتد على وجه الأرض.

ومن الطّبيعيّ أن يُقابل أصحاب النفوذ والسّلطان حَمَلة هذه الدّعوة بالتضييق والملاحقة والإبادة والاستئصال.

الهجرة

ولكي يسلم حملة الدعوة من فتنة العذاب والاضطهاد والبطش والفتك، وتسلم الدعوة من فتنة الاستئصال، لابدّ من (الهجرة) حتّى تتمكّن (الدّعوة) من أن تستقرّ على الأرض، وتتكوّن سياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً.

إنّ (الهجرة) ليست بحثاً عن الأمن فقط، وإنّما هي أيضاً بحث عن الوسط الملائم لتكوين الجماعة الجديدة.

إنّ لهذه الدعوة ثقافتها وأعرافها، وحركتها وأهدافها، وأنصارها وخصومها، ونظامها وعلاقاتها، ولا تستطيع أن تتكوّن وتتكامل في وسط يحكمه خصومها، وتحكمه الأعراف والثقافة المضادّة لها.. فلابدّ أن تنتقل إلى وسط آمن، تستطيع فيه أن تتكامل، وتترسّخ، وتكوِّن الجيل الذي يعتنق الدّعوة وينهض بها.

الجهاد

والجهاد العنصر الثالث في هذا المسلسل. ففي الهجرة، تتكامل الدّعوة عسكريّاً أيضاً بالإضافة إلى تكاملها بشريّاً وحضاريّاً، وتقوى على المواجهة، وما كان في حيِّز الامكان لولاها.

إنّ الهجرة ليست فراراً من العدوّ بقدر ما هي بحث وسعي للوصول إلى موقع أفضل للانطلاق إلى مواجهة خصوم الدعوة، التي لا بدّ منها على كلّ حال، وفي كلّ الحسابات.

فلم يطل بقاء المسلمين المهاجرين في المدينة حتّى عادوا منها إلى مواجهة قريش في بدر، وبقيت المدينة معقلاً حصيناً وأرضاً صلبة، يتّخذونها قاعدة للانطلاق إلى مواجهة خصوم هذه الرسالة.

وهذا هو إجمال للعلاقة العضويّة بين هذه المفاهيم الثلاثة، وتفسير للتسلسل القائم بينها.

المراحل الثلاث في سورة (النحل)

وهذه المراحل نفسها يذكرها القرآن في سورة (النحل) بنفس التسلسل، يقول تعالى:

<ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ>[18].

والعلاقة بين هذه المفردات، بنفس التسلسل واضحة.. فحيث تتم ولادة الدعوة إلى التوحيد، يستشعر الشّرك بخطره على مؤسّساته السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويستشعر في الدّعوة إلى التوحيد ما يصادر سيادته ونفوذه على المجتمع، فيبدأ أئمّة الكفر بافتتان حَمَلة رسالة التوحيد، ويعرّضهم لفتنة كبيرة تضطرّهم إلى الهجرة <ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا>.

وفي الهجرة، يتم إعداد هذه الجماعة الفتيّة للمواجهة المسلّحة التي لابدّ منها على كل حال في العلاقة بينها وبين أئمّة الشّرك <ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا>.

هذه ثلاث مفاهيم مترابطة ومتسلسلة على النهج الذي يذكره القرآن.


[1] البقرة: 218.

[2] الأنفال: 72.

[3] التوبة: 20.

[4] التوحيد والشرك ليسا مجرد مفهومين فقط، وإنّما هما مفهومان وحركتان أيضاً في واقع الحياة.

[5] الأنعام: 102.

[6] الأعراف: 54.

[7] النور: 51.

[8] النساء: 60.

[9] النحل: 36.

[10] آل عمران: 50-51.

[11] الشعراء: 105-110.

[12] الشعراء: 141-150.

[13] الشعراء: 160-163.

[14] الشعراء: 150-152.

[15] الزمر: 17-18.

[16] النحل: 36.

[17] النساء: 60.

[18] النحل: 110.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى